مقالات

الإعاقة تحول دون تحقيقها … شباب من ذوي الهمم يحلمون بوظيفة لمواجهة مصاعب الحياة

ذوو الإعاقة .. أحلام بسيطة ووظائف مستحيلة إلى متى؟

22 الاعلامي – مصطفى جربوع – شباب من ذوي الهمم يحلمون، كغيرهم، بتحقيق أحلامهم، ومنها الحصول على وظيفة تساعدهم في مواجهة مصاعب الحياة والتغلّب عليها. لكنهم سرعان ما يكتشفون أنّ الإعاقة تكمن في بعض مفاصل المجتمع، إذ توضع عراقيل في طريقهم فتحرمهم من طموحهم، لا لسبب، وإنما لمجرّد أنهم من ذوي الإعاقة.

معوّقات إجتماعية
الشاب (ع،ج ) البالغ من العمر 28 عاماً، وهو من ذوي الإعاقة، يحمل درجة البكالوريوس في تخصّص التربية الخاصة. طرق أبواب كثيرة لنيل فرصة عمل، إلّا أنّها جميعها أوصدت في وجهه، ما أكّد له أنّ المجتمع واقع في براثن النظرة السلبية تجاه ذوي الإعاقة، وهي نظرة تنمّي لدى متلقّيها شعوراً بالنقص وتحول دون عيشه حياته بشكل طبيعي.

يشكو (ع،ج) بمرارة من عدم تفهّم العديد من أصحاب الشركات والمؤسسات لمعاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في سعيهم للعثور على وظيفة. ويشير إلى عجز هؤلاء عن اختراق جدار البطالة التي تضرب، على نطاق واسع، في المجتمع الأردني؛ فسلاح الشهادة العلمية لم يكسبهم المعركة ضدّ البطالة!

ويعتبر أنّ لجوئه إلى ديوان الخدمة المدنية للحصول على عمل، قد زاد من قلقه على مستقبله، إذ لا حلول ولا مخارج تلوح في الأفق لدى الديوان، في ظلّ زيادة أعداد العاطلين عن العمل؛ الأمر الذي أوصل الشاب إلى قضاء جلّ وقته في التنقل بين منصات التواصل الاجتماعي بحثاً عن وظيفة ما، بعدما قضت جائحة كورونا على فرصة أتيحت له: كان قد باشر بالترويج لمنتجات شركة متخصّصة بتربية النحل وبيع العسل، إلّا أنّ الشركة أنهت خدماته بفعل الظروف التي فرضتها الجائحة.

بهذا الخصوص، يشرح الناطق الإعلامي باسم ديوان الخدمة المدنية خالد الغرايبة المسار الذي تسلكه طلبات العمل الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، إذ يتمّ تقديم طلب تحويل إلى لجنة طبية إيوائية، فتحدّد اللجنة نسبة الإعاقة لديهم، ثمّ يتقدّم المعني بطلب توظيف تحت بند الحالات الإنسانية، ويُعرض طلبه على رئيس اللجنة الإنسانية ليتمّ تحديد ما إذا كانت حالته إنسانية أو لا.

ويشير الغرايبة إلى أنّ الحالات الإنسانية متعدّدة وتخضع لترتيب تنافسي، إذ يتمّ التعيين وفق النسب والتناسب، لافتاً إلى أنّ ذوي الإعاقة معفيّون من الامتحان التنافسي الذي يجريه الديوان باستثناء المتقدّمين لوظيفة معلّم في وزارة التربية والتعليم.

فرص ضائعة
وفق الناطق الإعلامي باسم المجلس الإعلى لذوي الإعاقة رأفت الزيتاوي إنّ مليون ومئتي أردني يعانون من إعاقة ما. يقدّم لهم المجلس مجموعة من الخدمات كتوفير مترجمين في المؤسسات الحكومية والخاصة، كما تشرف مؤسسات الدولة على تأمين خدمات التعليم الخاصة بهم في مجال العمل. لكنه يعترف بأنّ البنية التحتية في الكثير من المؤسسات لا تؤمّن بيئة مناسبة لذوي الإعاقة، كما تفتقد للأجهزة الخاصة، ومنها جهاز “برل سنس” مثلاً، وهو جهاز يساعد الكفيف على القراءة بشكل أسرع من الطابعة، جرّاء تكلفته العالية التي قد تصل إلى 700 ألاف دولار أميركي.

في هذا السياق، يتحدّث (ر،ر)عن معاناته خلال فترة تخصّصه في مجال الإعلام وتكنولوجيا الأتصال في جامعة خاصة، بسبب عدم تأمين وسائل مساعدة ومساندة للعملية الدراسية تفسح أمامه المجال لتحقيق حلمه بأن يصبح أوّل مذيع أردني من ذوي الإعاقة، مشيراً إلى أنّ الكثير من الجامعات والمؤسسات لم يترجم رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين القاضية بالاهتمام بالأشخاص من ذوي الإعاقة وعدم التمييز بينهم. وينسحب هذا الواقع إلى ميدان العمل، كما يؤكّد، فمؤسسات إعلامية حكومية كثيرة لا تتوفر لديها أجهزة مثل “برل سنس”، أو نظارات “تنبيه” تساعد المرء على التعرّف إلى المكان، وغيرها من الأجهزة الخاصة بالقراءة والتعلّم التي لا يمكن للفرد اقتناءها نظراً لثمنها الباهظ.

وكان (ر) توقّع أن تتاح له فرص عمل كثيرة على اعتبار أنه سيكون أوّل مذيع أخبار كفيف في الأردن، لكن “الجميع خارج التغطية”، حسب قوله.لقد رفضت مؤسسات إعلامية عديدة الطلبات التي تقدّم بها للعمل لديها: إنّ إعاقته حالت دون نيله مراده، علماً أنّه بحاجة لعمل يؤمّن له مردوداً مادياً بما أنه، وفق تأكيده، لا يتقاضى أيّة رواتب من وزارة التنمية الاجتماعية وصندوق المعونة الوطنية. وها هو اليوم واقع بين مطرقة الحلم وسندان البطالة، آملاً في مخرج يضمن له معيشة كريمة.

مساواة في المعاناة
“الأردن لا يميّز بين الأردني أو السوري أو الفلسطيني في قطاعات العمل، وإنما هناك قطاعات مغلقة لا يسمح للوافدين العمل بها”. هذا ما أكّدته الناطقة باسم وزارة العمل نور الدويري. وتذكر الدويري أنّ نسبة 4% التي نصّ عليها القانون الأردني والمخصّصة لذوي الاحتياجات الخاصة في ملء الوظائف تنطبق على جميع الجنسيّات المتواجدة في الأردن، مشدّدة على سعي السلطات المعنية في الأردن إلى توفير فرص عمل للسوريين دون المساس بحقوق الأردنيين. وتلفت الدويري إلى أنّ العمالة السورية تنشط في المجالات المسموح بها للعمالة الوافدة فقط والتي تشهد إقبالاً ضعيفاً عليها في قبل الأردنيين، مثل قطاعات الإنشاءات والزراعة وخدمات النظافة العامّة والمصانع والمحال التجارية والمطاعم. كما يمكن للسوريين العمل في القطاعات الحرفية مثل الحرف اليدوية والمنسوجات.
في المقابل، يلفت مدير مديرية بدائل الإيواء وشؤون الأطفال ذوي الإعاقة خليفة الشريدة إلى أنّ الخدمات التي تقدّمها وزارة التنمية الإجتماعية تشمل ذوي الإعاقة على اختلاف جنسيّاتهم، ومنها: تدريب علاج طبيعي؛ علاج وظيفي نطق؛ تربية خاصة؛ تأهيل مجتمعي؛ تدخل مبكر… إلّا أنّ هذه الخدمات لا تشمل الللاجئين بما أنّ رعايتهم تقع على عاتق المفوضية العليا للاجئين ومنظمة الأونروا.

حقوق مؤجَّلة
رغم هذه الفرص المتاحة، أسباب كثيرة تعيق تقدّم الأشخاص من ذوي الإعاقة اجتماعياً ومهنياً يفصّلها الخبير الاجتماعي الدكتور حسين خزاعي، ومنها غياب البنية التحتية المناسبة في الكثير من المؤسسات، الأمر الذي يعيق تحرّكهم في بيئة العمل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفق خزاعي، يجب أن يكون مكان عملهم في الطابق الأوّل فلا يضطرّون لاستخدام المصاعد. ويشدّد خزاعي على ضرورة عدم التمييز بينهم وبين الموظف العادي على اعتبار أنّ الإعاقة تكمن في الجسد لا في العقل، فمن حقّهم مثلاً المشاركة في دورات تدريبية لتطوير مؤهلاتهم، أسوةً بالموظفين الآخرين. كما يجب، برأيه، استثناء ذوي الإعاقة من الحدّ الأدنى للأجور نظراً لاحتياجاتهم ومتطلباتهم الخاصة بحالتهم. فيما يقول الناطق الإعلامي بأسم صندوق المعونة إن الأشخاص من ذوي الإعاقة، من فئات معيّنة، يتقاضون رواتب ضمن الأنظمة والتعليمات التي تنطبق عليهم.

تبقى أبرز التحديّات التي تواجه ذوي الإعاقة عدم تقبّل المجتمع لهم والتمييز الذي يتعرّضون له، ما يحرمهم من جزء كبير من حقوقهم ويحول دون اندماجهم في المجتمع. ويُجمع العارفون بقضايا ذوي الإعاقة وحقوقهم على أنّه، في ظل تقاعس العديد من المؤسسات عن القيام بواجبها بتأمين بيئة حاضنة لذوي الإعاقة، يحتاج الأردن إلى عشرات السنوات لتأمين البنية التحتية المناسبة لذوي الاحتياجات الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى