
22 الاعلامي – بقلم ديما المجالي
لا يمكن لعاقل أن يتجاهل أن البحث العلمي هو العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية أو اجتماعية. لكن عندما نستمع إلى الأرقام التي أعلن عنها وزير الاستثمار مثنى الغرايبة في الجلسة الرقابية لمجلس النواب اليوم الاثنين ٢٣ ديسمبر ، والتي تظهر أن حجم الاستثمارات الكلية المستفيدة من قانون الاستثمار خلال الفترة من 2020 وحتى منتصف 2024 بلغ حوالي 4 مليارات دينار، وعدد المشاريع التي استفادت من القانون وصل إلى 1988 مشروعًا استثماريًا،( يصبح من الصعب فهم كيف تسير الأمور!). وان هذه المشاريع استفادت من تسهيلات مثل إعفاءات ضريبية وتخفيضات جمركية لتشجيع الاستثمار، لكن المفاجئ أن البحث العلمي، الركن الأساسي للتقدم، حظي بثلاثة مشاريع فقط خلال نفس الفترة.
كيف يمكن لدولة طموحة كالأردن، تسعى لتحقيق أهداف اقتصادية كبرى، أن تغفل عن أهم أدوات التنمية المستدامة؟ هذا الرقم وحده يكشف عن أزمة عميقة في فهم دور البحث العلمي في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
يعاني البحث العلمي في الأردن من إهمال واضح يعكس غياب الرؤية الاستراتيجية والأولويات الوطنية، فعلى الرغم من التصريحات الرسمية المتكررة عن خطط اقتصادية طموحة، يبدو أن البحث العلمي هو الضحية الأولى لأي أزمة تمويل. فالاستفسار كيف يمكن تحقيق تطور حقيقي في القطاعات الحيوية، مثل الصناعة والزراعة والطاقة المتجددة، دون استثمار جاد ومستدام في البحث العلمي؟
والأمر لا يقتصر فقط على غياب التمويل، بل يمتد ليشمل ضعف التشريعات المساندة، فلماذا لا يتم تقديم حوافز ضريبية للشركات التي تمول الأبحاث؟ ولماذا لا تلزم الجامعات بربط أبحاثها بحاجات السوق المحلي؟ إن هذا الغياب للتشريعات يجعل البحث العلمي معزولًا وغير جذاب للاستثمار، وغياب شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص، تضيع فرص هائلة لتحويل الأفكار البحثية إلى مشاريع تجارية مبتكرة تساهم في النمو الاقتصادي.
إن ضعف الاستثمار في البحث العلمي يؤدي إلى نتائج كارثية على عدة مستويات. أولاً، يتراجع الابتكار، ويصبح من الصعب على الأردن المنافسة إقليميًا أو عالميًا بسبب ضعف الإنتاج المعرفي. ثانيًا، يدفع هذا التراجع الكفاءات الوطنية إلى الهجرة، حيث يبحث الباحثون عن بيئة ملائمة وتمويل خارج الأردن، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية المؤهلة. ثالثًا، يؤدي غياب البحث العلمي إلى اعتماد الاقتصاد الأردني بشكل مفرط على التكنولوجيا والابتكارات المستوردة، مما يضعف قدرة البلاد على تحقيق الاستقلالية الاقتصادية والتنمية المستدامة.
النهوض بالبحث العلمي في الأردن ليس معضلة مستحيلة، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية ورؤية واضحة. وعليه يجب أن يُدرج البحث العلمي ضمن الأولويات الوطنية، ويتم تخصيص نسبة مستدامة من الموازنة لدعمه بدلاً من التعامل معه كملف هامشي، كما يتطلب الأمر تعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص من خلال إنشاء مراكز أبحاث مشتركة، مع تقديم إعفاءات ضريبية للشركات التي تمول مشاريع بحثية.
وهناك حاجة ملحة لتطوير تشريعات داعمة، مثل إصدار قانون “دعم وتمويل البحث العلمي”، حيث يخصص نسبة من الناتج المحلي الإجمالي لهذا القطاع الحيوي، مع إنشاء صندوق وطني للأبحاث بمساهمة من الحكومة والقطاع الخاص، ويجب تحفيز الباحثين بمنح مالية تنافسية، وتحسين بيئة العمل والرواتب لضمان بقائهم في البلاد.
وأخيرًا، يجب ربط البحث العلمي بشكل مباشر باحتياجات السوق المحلي، بحيث تركز الجامعات على تقديم أبحاث تخدم قطاعات حيوية مثل الأمن الغذائي والطاقة والمياه، مع التعاون بين الجامعات والصناعات لتطوير منتجات محلية تعزز من قدرة الاقتصاد الأردني على المنافسة والاكتفاء الذاتي.
ثلاثة مشاريع بحثية فقط خلال أربع سنوات هي أكثر من مجرد أرقام؛ إنها شهادة واضحة على غياب التخطيط والإدارة الاستراتيجية. فالأردن يمتلك طاقات بشرية هائلة، ولكن غياب الاستثمار الجاد في البحث العلمي يحرم الوطن من استغلال هذه الموارد. وإذا كان طموحنا بناء اقتصاد قوي ومجتمع مبتكر، فإن البداية الحقيقية يجب أن تكون بوضع البحث العلمي في قلب خططنا الوطنية وتوفير الدعم الذي يستحقه.