
22 الاعلامي – بقلم : مهنا نافع
للطبيعة طريقة وحتما ستجدها، أما نحن فعلينا أن لا نتدخل بسلوكها وأن لا نألو جهدا لتصحيح أي عبث بها كانت اقترفته أيادينا وتسبب بخلل باتزانها، ولا يعتبر هذا التصحيح تدخلا بسلوكها طالما كان يتم بإشراف وتنفيذ من قبل نظام مؤسسي، بل على العكس من ذلك فهو تسريع لعودة المسار لدربه الصحيح الذي انحرف من جراء أخطائنا.
ولنفهم الثبات نوضح العامل الأول الذي يؤدي لنقيضه (التغير) الذي يتم بفقدان أي صنف غذائي يعتمد عليه كليا أي كائن حي سواء كان ذلك نتيجة التغير المناخي أو الأحداث المختلفة مثل البراكين والحرائق الكبرى أو الصيد الجائر أو التوسع العمراني على حساب الغطاء النباتي أو اجتثاث أشجار الغابات لاستغلال أخشابها لحاجاتنا المعيشة دون أن نجد أيا من البدائل لها أو لإنشاء مساحات لرعي المواشي وأخيرا التلوث الذي نسببه للبيئة بجميع أشكاله وأجد أكثره ضررا مادة البلاستيك عدوة الطبيعة.
وأما العامل الثاني الذي يؤدي إلى التغير نقيض الثبات هو انتقال نوع لكائن من بيئة إلى بيئة أخرى، فإما أن تصبح فصيلته هي المهيمنة بتلك البيئة الجديدة أو تصبح مصدرا غذائيا بديلا (لكائن آخر وبالتالي ستزداد إعداد هذا الكائن الآخر لوجود بديل له) ونتيجة لهذه الزيادة لهذا الكائن والذي بالطبع له أيضا مصدرا غذائيا آخر فمن البديهي أن يتم إبادة هذا الأخير لكثرة مفترسيه، وهكذا دواليك تتسارع هذه المتتالية ليختل كل التوازن البيئي بتلك المنطقة، واعذرني عزيزي القارئ فهذه الفقرة وإن بدت محيرة ولكنها تلخص إحدى نتائج العبث بهذا التوازن الدقيق.
ونأتي للعامل الثالث وهو التزاوج غير النمطي لبعض الكائنات الحية والذي ينتج عنه كائنات هجينة لها نظام وسلوك عدواني غير مناسب لأي بيئة، وحتى نفهم أكثر خطورة إخلالنا بهذا التوازن لا بد من تقديم بعض الأمثلة لذلك والتي من خلالها سنعرف أين أخطأنا ومتى يجب علينا أن نتدخل لتصحيح ذلك وهذا بالطبع إن استطعنا.
(فالإبل) تعيش بالجزيرة العربية وهي جزءا من التوازن البيئي وتعتبر من أهم مكونات الأمن الغذائي لقاطنيها ولم تكن يوما تشكل أي نوع من المخاطر عليهم عدا القلة منها التي كانت تقترب من مسارب الطرق السريعة والذي يمكن بزيادة الوعي لرعاتها الحد من أذاها ، أما عندما نقلها الإنسان إلى القارة الأسترالية أصبحت آفة وإعدادها خرجت بكثرتها عن السيطرة لعدة أسباب منها عدم إقبال السكان على لحومها وعوامل تتعلق بالبيئة الصحراوية بتلك القارة، فأصبحت تهاجم المنازل والمزارع وتتلف كل ما تدوسه أخفافها، أما (الأرانب) الجميلة والتي أيضا تم استيرادها لتلك القارة ازدادت إعدادها أيضا بشكل متسارع، فهي لم تكن كذلك جزء من تلك البيئة فلا يوجد ذلك العدد من مفترسيها، فتكاثرت لتصبح آفة مضرة لناتج المحصول الزراعي.
ونذكر لكم ما نتج عن قرار خاطئ اتخذه أحد القادة القدامى حين أصدر أوامره لقتل كل (العصافير) بتلك البيئة الوديعة فقد كان يراها كنوع من الآفات التي تقتات على محاصيل الفلاحين فتحد من وفرتها، وتم مرادة إلا أن الحشرات التي كانت العصافير تقتات عليها تكاثرت لدرجة أن أصبح إعدادها بملايين الملايين فأهلكت الزرع مما أدى لحدوث مجاعة كبرى كان من نتائجها وفاة الملايين من البشر.
وكذلك في البرازيل لاحظ علماء الزراعة عدم الوفرة من إنتاج العسل لنوع معين من (النحل) فقاموا بإحضار سلالة نشطة من النحل الأفريقي وتم التزاوج بين النوعين لتخرج لنا فصيلة هجينة من النحل في منتهى العدائية بالإصرار على مهاجمة أي من البشر الذين يقتربون من خلاياها وبشكل جماعي، وقد انتشر تواجدها بعدة أجزاء في القارتين الأمريكيتين، وهي الآن فصيلة تدعى باسم على مسمى هو النحل القاتل.
وبالمقابل لا بد من أن نفهم الفرق بين فأرة الحقل وفأرة المنزل، ففأرة الحقل هي جزء من التوازن البيئي، أما فأرة المنزل فهي تعيث فسادا بطعام الناس وليس للخلاص منها ومن شرورها أي علاقة بالتوازن البيئي الذي يسيء فهمه الكثير من هم على شاكلتي من عشاق الطبيعة ولنقيس على ذلك الكثير من المواضيع لنفهم أين وكيف ومتى يجب أن نتدخل لنحاول تصحيح أي مسار لأي ظاهرة تتقاطع مع سلامة وأمن مجريات حياتنا.
إن التوازن البيئي هو وصف لحالة الوضع السليم للكائنات الحية في إي بيئة كانت من النظم البيئية المختلفة والتي بمجموعها تكون الغلاف الحيوي على كوكب الأرض، وإن استمرار بقاء النوع لأي كائن بأي بيئة يعتمد على (ثبات الحال) لكل ما يحيط به، وأي عبث من قبلنا مهما بدا للبعض بتلك الأهمية فحتما سيكون له تداعيات متتالية مؤذية علينا وعلى كل ما يحيط بنا، فحماية لنا ولمستقبل أحفادنا علينا أن نتعظ من تجاربنا السابقة وندع الطبيعة وشأنها.
مهنا نافع