×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : ديما يوسف المجالي

المجالي تكتب : كيف يُصنَع المُعارِض؟

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: ديما المجالي

أنا مواليةٌ لهذا الوطن، وللقيادة الهاشمية، وللدولة، وللأرض التي نحمل اسمها ونحملنا.... لكنني، وبالقدر ذاته من الانتماء، معارضةٌ لكل ما يسيء إلى هذا البلد؛ لكل ممارسة تُضعف ثقة المواطن، ولكل إجراء يُقصي الكفاءة، ولكل صمتٍ يترك الخلل يتفاقم.
فالموالاة الحقيقية ليست تبرير الخطأ، والمعارضة المسؤولة ليست خصومة، بل حمايةٌ للوطن من كل ما يؤذيه، مهما كان مصدره.🇯🇴
وحين أستخدمت كلمة «المعارض» هنا، فأنا لا أعني موقعًا سياسيًا ولا اصطفافًا ضد الدولة أو مع جهة... 
لكن ما أكتبه اليوم هو عن الخذلان،عن تلك المساحة الرمادية التي تُكسَر فيها الأحلام بهدوء،وتُجهَض فيها المبادرات دون قرار،
وتُدفن الأفكار تحت مسمّيات: التأجيل… التسويف… الإجراءات… راجعنا لاحقًا.
المواطن الأردني لا يولد معارضًا،ولا يستيقظ صباحًا وهو يريد أن يعاند دولته... على العكس،هو بطبيعته صبور، وفيّ، مستعد أن يقدّم وقته وفكره وجهده دون مقابل،فقط لأنه يؤمن أن هذا البلد يستحق.

لكن ما الذي يحدث؟

في كثير من الأحيان،لا يقف المواطن أمام المسؤول أصلًا،يقف أمام حواجز غير مرئية: البطانة ،سلسلة طويلة من الأشخاص الذين يقرّرون من يُسمَع ومن يُهمَّش... 
وهنا تبدأ المشكلة.. ليس لأن المسؤول/ صاحب القرار يرفض،بل لأنه لا يعلم أصلًا... لم تصله الفكرة..لم تصله المبادرة.. لم تصله حتى معاناة صاحبها... 
وحين يُؤجَّل حلمك عامًا بعد عام،لا لأنك مخطئ،ولا لأن فكرتك ضعيفة،بل لأن أحدهم قرّر أن يضعها في درج،تبدأ الثقة بالتآكل... 
ليس بالوطن…بل بالمسار...

ومع الوقت.. يحدث الخلط الخطير:
بين فقدان الثقة بإجراء،وفقدان الثقة بمؤسسة،ثم — لا سمح الله — بالدولة ذاتها... وهذا أخطر ما في الأمر.

نحن لا نخسر مواطنًا غاضبًا فقط،نخسر مواطنًا مهزوز الثقة،مواطنًا يشعر أنه زائد عن الحاجة،أن أفكاره عبء،وأن وجوده لا يُرى.
مع أن الحقيقة مختلفة تمامًا:
هو يحمل حلًا،يحمل طاقة،يحمل رغبة صادقة في المساهمة.
لكن حين يُقابَل الإخلاص بالتجاهل،والحماس بالصمت،والحلول بالتأجيل،يُقتل الشغف.

وهؤلاء — دون أن يشعروا —هم من يصنعون المعارض... ليس المعارض ضد الحكم،بل المعارض ضد كل شيء،ضد الأمل،ضد المشاركة،ضد الإيمان بأن الإصلاح ممكن.

وأنا هنا لا أتهم،ولا أعمّم،ولا أضع الجميع في سلة واحدة... 
في مؤسساتنا قامات وطنية نزيهة،وفي مسؤولينا من يعمل بصدق وإخلاص.

لكن إن لم نسمِّ الأشياء بأسمائها،وإن لم نعترف أن البيروقراطية، والترهل الإداري، والتفرد بالرأي،تُنتج خذلانًا حقيقيًا،فنحن نخاطر بثمنٍ أكبر بكثير من فكرة مؤجلة... نخاطر بثقة المواطن.

والدولة القوية لا تخشى النقد الصادق،بل تخشى الصمت الطويل.