بقلم: إياد عبد الفتاح النجار / الأمين العام لحزب القدوة الأردني
لم تعد المخالفات المرورية في الأردن مجرد أداة لتنظيم السير وحماية الأرواح، بل أصبحت عامل ضغط اقتصادي مباشر على المواطن، إلى حد دفع آلاف السائقين خارج دائرة الالتزام القانوني، وهو ما يشكّل خطرًا حقيقيًا على السلامة العامة، لا يمكن تجاهله أو تبريره.
إن المبالغة في قيم المخالفات، وارتفاع كلفة التأمين الإلزامي المرتبط بالحوادث والمخالفات، لم يؤدِّ إلى تعزيز الالتزام كما يُفترض، بل أنتج نتيجة خطيرة تتمثل في تزايد أعداد المركبات غير المرخصة وغير المؤمَّنة. وهذه ليست مخالفة إدارية بسيطة، بل حالة تهدد حياة السائقين والمشاة ومستخدمي الطريق كافة.
وجود ما يقارب خمسة وخمسين ألف مركبة تسير دون ترخيص يعني أن أي حادث مروري قد يتحول إلى كارثة إنسانية وقانونية، حيث لا ضمان لتعويض المتضررين، ولا حماية قانونية حقيقية للأطراف. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: سياسات يُفترض أنها وُضعت لحماية الناس، أصبحت تساهم – بشكل غير مباشر – في تعريضهم لمخاطر أكبر.
إن عدم ترخيص المركبة وعدم شمولها بالتأمين الإلزامي ليس خيارًا آمنًا ولا سلوكًا مسؤولًا، لكنه في كثير من الحالات نتيجة مباشرة لتراكم الغرامات وارتفاع الكلف إلى مستويات تفوق قدرة المواطن على السداد. وحين يصل المواطن إلى هذه المرحلة، يصبح القانون – بدل أن يكون أداة تنظيم – سببًا في إخراجه من المنظومة القانونية بالكامل.
من الناحية التشريعية، فإن القاعدة الجزائية واضحة: العقوبة يجب أن تردع دون أن تُقصي، وأن تصحح السلوك دون أن تدفع إلى نتائج أخطر. ربط التأمين الإلزامي بالمخالفات والحوادث بطريقة تُضاعف العبء المالي لا يحقق الردع، بل يوسع دائرة المخالفة ويزيد من المخاطر على المجتمع ككل.
إن مركبة بلا ترخيص وتأمين ليست مجرد مخالفة مرورية، بل خطر متحرك على الطريق. فأي حادث، مهما كان بسيطًا، قد يخلّف ضحايا بلا حماية قانونية أو صحية، وسائقين يواجهون مسؤوليات جزائية ومدنية قاسية، وأسرًا تدفع ثمنًا يفوق قدرتها على الاحتمال. إن معالجة هذا الواقع بعدالة لم تعد خيارًا، بل ضرورة إنسانية وقانونية عاجلة لحماية المجتمع بأكمله.
في حزب القدوة الأردني، نؤكد أن حماية الأرواح على الطرق أولوية وطنية لا تقبل المساومة، لكننا نرفض في الوقت ذاته تحميل المواطن كلفة إصلاح الخلل عبر تشريعات غير متوازنة. السلامة المرورية لا تتحقق بتغليظ العقوبات وحده، وإنما عبر سياسات عادلة ومتوازنة تُبقي المواطن داخل إطار القانون، لا خارجه.
ومن هنا، نطالب بمراجعة شاملة لملف المخالفات والتأمين، تقوم على:
إعادة ضبط قيم المخالفات وفق خطورة الفعل لا وفق منطق الجباية
معالجة ملف المركبات غير المرخصة بحلول تصحيحية لا عقابية فقط
الفصل الواضح بين التأمين الإلزامي والعقوبة المرورية
تمكين المواطنين من تصويب أوضاعهم دون تهديدهم بإقصائهم عن الالتزام
نريد شوارع أكثر أمانًا، لكن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر إنهاك المواطن، بل عبر تشريع عادل يحمي الجميع، ويمنع الخطر قبل وقوعه.
النجار يكتب : المخالفات المرورية في الأردن: حين تتحول السياسات الخاطئة إلى خطر على السلامة العامة
الأربعاء - pm 03:31 | 2025-12-24
22 الإعلامي -






