×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : آلاء سلهب

سلهب تكتب: المخرج محمد بكري … حين يتحوّل الفن إلى موقف

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: آلاء سلهب التميمي

خبر رحيل الفنان والمخرج الفلسطيني محمد بكري لم مجرّد مجرد إعلان وفاة عابر، بل هو لحظة تأمّل موجعة في سيرة إنسان اختار أن يجعل من الفن شهادة، ومن الكاميرا ضميرًا، ومن المسرح مساحة جهاد ومقاومة لا تقل أثرًا عن أي شكل آخر من أشكال النضال.

نقرأ رحيله بوصفه خسارة لفلسطين، وللثقافة العربية، وللإنسانية التي لا تزال تبحث عمّن يدافع عنها بصدق وشجاعة.

إذ وُلد بكري عام 1953 في قرية البعنة بالجليل، ونشأ في بيئة فلسطينية تعرف معنى الاقتلاع والهوية المهددة، فكان طبيعيًا أن يتسرّب هذا الوعي المبكر إلى خياراته الفنية.

ودرس التمثيل والأدب العربي، وبدأ رحلته من خشبة المسرح، قبل أن يتجه إلى السينما، حيث وجد فضاءً أوسع لسرد الحكاية الفلسطينية، لا بوصفها خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل كقصة إنسان يعيش القهر ويقاومه بالحياة.

منذ سبعينيات القرن الماضي، شقّ بكري طريقه بثبات في أعمال عربية ودولية، وشارك في أفلام تركت أثرًا واضحًا في بث الوعي السينمائي العالمي، ومنها مشاركته في فيلم Hanna K.

للمخرج كوستا غافراس، وأعمال أخرى فتحت له أبواب السينما الأوروبية.

ولكنّ التحوّل الأعمق في مسيرته لم يكن في الانتشار، بل في الاختيار: اختيار الانحياز للقضيه الفلسطينية والمبادئ الصريحه لبث الوعي العالمي للقضية الفلسطينية العادلة.

وارتبط اسم محمد بكري لاحقًا بالسينما الفلسطينية الحديثة، فكان حاضرًا في أفلام شكّلت علامات فارقة، مثل حكاية الجواهر الثلاثة، وحيفا، وعيد ميلاد ليلى، وصولًا إلى فيلم واجب للمخرجة آن ماري جاسر، حيث قدّم أدوارًا تنبض بالصدق والعمق، بعيدًا عن الاستعراض أو التجميل.

غير أن العمل الذي شكّل ذروة الصدام بين الفن والسلطة كان فيلم جنين، جنين (2002).

ولم يكن الفيلم مجرد وثائقي، بل شهادة حيّة على اجتياح مخيم جنين، نقل فيها بكري أصوات الضحايا المظلومين وملامح البيوت المهدّمة ووجوه الناس بكل صراحة ومصداقية.

هنا، تحوّل الفن إلى فعل اتهام ووعي، ودخل صاحبه في دوّامة طويلة من الملاحقات القضائية والمنع والغرامات، في محاولة واضحة لإسكات الحق والدفاع عن القضية الفلسطينية.

ومع ذلك، لم يتراجع، بل أعلن بوضوح أن الخطر الحقيقي ليس في العقوبة، بل في محو الذاكرة والسكوت عن الحق.

وعاد بكري بعد أكثر من عقدين إلى جنين بفيلمه الجديد، مؤكدًا أن الذاكرة لا تموت، وأن المجازر، مهما تكررت، لا تُمحى بالصمت.

كما قدّم أعمالًا أخرى مثل فيلم “1948” الذي وثّق النكبة عبر شهادات حيّة، في محاولة واعية لربط الأجيال بتاريخها، ومنع تحويل المأساة إلى رقم في كتاب ونسيانها.

رحل محمد بكري جسدًا، لكن إرثه باقٍ: أكثر من أربعة عقود من العمل الفني، وأكثر من 43 تجربة في التمثيل والإخراج والإنتاج، وموقف أخلاقي واضح يرى في الفن أداة تحرّر لا زينة ثقافية.

نودّعه بوصفه فنانًا عربيًا حرًا، آمن بأن الكلمة الصادقة والصورة الجريئة قادرتان على كسر الرواية العدو الزائفة، وبأن العدالة قد تتأخر، لكنها لن تسقط.

سلامٌ على المخرج العظيم محمد بكري، وعلى كل فنان اختار أن يكون صوته أعلى من الخوف، وذاكرته أقوى من النسيان.