ليندا المواجدة
تشهد المملكة ارتفاعات متتالية في الأسعار شملت مختلف القطاعات الاقتصادية، وباتت تمسّ حياة المواطن بشكل مباشر، الأمر الذي أدى إلى تآكل دخول المواطنين إلى حدّ أصبح فيه المواطن غير قادر على التأقلم أو العيش بكرامة في ظل واقع اقتصادي واجتماعي قاسٍ ألحق به ضررًا كبيرًا.
هذا الواقع يطرح سؤالًا مشروعًا حول قدرة الحكومات المتعاقبة على حماية المواطن من تغوّل الشركات، بل ويحمّل هذه الحكومات مسؤولية أدبية واضحة بالانحياز إلى المواطنين والوقوف في وجه هذا التغوّل غير المبرر، بدل الاكتفاء بتبريره. فالمواطن، الذي تآكل دخله وهو أصلاً متدنٍ، من حقه أن يطالب حكومته بالحماية، أو أن يلجأ إلى القضاء للحد من الضرر الذي ألحقته هذه السياسات بحياته المعيشية.
وخلال ما سُمّي بـ«ماراثون الموازنة»، لاحظنا عجز الحكومة عن زيادة الرواتب وترحيل هذا الاستحقاق إلى العام القادم، تحت مبرر التمهيد لانتعاش اقتصادي يُفترض أن ينعكس لاحقًا على المستوى المعيشي للمواطنين. إلا أننا، ومع بداية العام، فوجئنا بقيام شركات الكهرباء والمياه وغيرها برفع الأسعار، في خطوة زادت من إرهاق حياة الناس، وعمّقت فجوة العجز بين الدخل ومتطلبات العيش.
ما يثير القلق أن دور الحكومة في هذا السياق لم يكن بالحجم المطلوب، إذ كان الأجدر بها أن تقوم بواجبها في حماية المواطن من هذه الارتفاعات، لا أن تخرج هي وهيئاتها لتبريرها، عبر تقسيم المجتمع إلى شرائح استهلاكية، تتبنى فيها شريحة لا يمسها الضرر، وتُترك بقية الشرائح لمواجهة العبء وحدها.
إن تبرير هذا الرفع أو إجازته يتناقض مع الدور المفترض للحكومة، التي كان الأولى بها أن تفرض رقابة حقيقية على هذه الشركات، وأن تُلزمها – وفقًا للقوانين المدنية – بحماية المستهلك، لا أن تصمّ أذنيها عن صراخ المواطن الذي يرى في هذه الإجراءات مساسًا مباشرًا بكرامته المعيشية والاجتماعية.
لقد أصبحت هذه الشركات، من خلال سياساتها، تضع الحكومة والشعب في مواجهة بعضهما البعض، وتوتر العلاقة بين الطرفين، نتيجة انحياز الحكومة لحمايتها، في وقت كان من المفترض أن تقف فيه ضد هذا التغوّل، على الأقل من منطلق المسؤولية الأدبية. فهذه الارتفاعات المتتالية لم تسهم، عبر سنوات طويلة، في سدّ عجز الموازنة، بينما كان المواطن وحده من يدفع الثمن.
من هنا، يفرض هذا الواقع على الحكومة أن تقف بحزم في وجه استنزاف المواطن. وإذا لم تستطع القيام بهذا الدور، فإن للمواطن كامل الحق في اللجوء إلى القضاء لوقف هذا النزيف. خصوصًا في ظل ما نراه من رواتب عالية تُدفع في هذه الشركات لموظفيها وطاقمها الإداري، على حساب المواطن، وهو أمر غير معقول ولا مبرر.
كان من المفترض أن تقوم هذه الشركات برفد خزينة الدولة، لا أن تنظر إلى المواطن باعتباره المنقذ لها، رغم ما تحظى به من إعفاءات وتسهيلات حكومية. إلا أنها، على ما يبدو، تحوّلت إلى عبء على المواطن والحكومة معًا، بينما تستمر الحكومة في تبرير الرفع وحمايتها على حساب الوطن والمواطن.
المطلوب اليوم هو إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يضمن التخفيف عن المواطن المستنزف، وزيادة الرواتب، وحماية الحكومة نفسها من ضغوط هذه الشركات، والوقوف بوضوح إلى جانب المواطن، لا في مواجهته






