×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتورة تهاني بشارات

بشارات تكتب : نقيُّ الروح… ذلك الذي يُوجِع الغياب أكثر من الحضور

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

ليس كلُّ من يرحل يُؤلم، وليس كلُّ من يُخذل يُفتقد.
لكن نقيَّ الروح، حين يُخذل، يُخلّف فراغاً لا يُملأ، كنافذةٍ انكسر زجاجها في قلب البيت، يدخل منها البرد مهما أُغلقت الأبواب.

نقيُّ الروح يُتعب الناس أكثر من الخبيث، لا لأنه أضعف، بل لأنه أصدق.
هو ذاك الذي يدخل القلوب بلا استئذان، ويغادرها بلا ضجيج، لكنه يترك فيها أثراً كالعطر العالق في الذاكرة؛ لا يُرى، ولا يُنسى. يشبه المطر حين ينزل بصمت، ثم يُدرك الناس قيمته بعد أن تجفّ الأرض.

هذا الإنسان لا يُجيد لعبة الأقنعة، ولا يتقن فنّ المراوغة. قلبه على كفّه، وروحه مكشوفة للشمس، تضيء حتى لمن لا يستحق الضوء. يعطي لأن العطاء طبيعته، ويصدق لأن الصدق هويته، ويحب دون حساب لأن قلبه لا يعرف لغة الربح والخسارة.

من خذلوه… يعرفون.
يعرفون في أعماقهم أنهم أضاعوا جوهرة نادرة، لا لأن نقيّ الروح قال ذلك، بل لأن الفراغ الذي خلّفه فضح الحقيقة. كمن كسر إناءً من البلور، ثم اكتشف متأخراً أن الشقوق لا تُصلَح، وأن البدائل مهما كثرت تبقى زجاجاً عادياً لا يشبه اللمعان الأول.

ومن خدعوه… يدركون، ولو بعد حين، أنهم لم يخدعوا شخصاً عادياً، بل حالة إنسانية لا تتكرر. كأنهم مرّوا بجانب نبعٍ صافٍ واختاروا العطش، ثم ظلّوا يبحثون عن الماء في أماكن موحلة.

طاقته الجميلة تشبه شجرة وارفة في صحراء العلاقات؛ من جلس في ظلها شعر بالسلام، ومن قطعها لم يجد بعدها إلا القيظ.
روحه الشفافة مرآة، تُريك نفسك كما هي، لذلك يتعب منها من لا يحتمل الصدق.
صدق مشاعره كضوء الفجر، لا يخدع، ولا يُجامل، يأتي في وقته، ويكشف كل شيء.

أما عطاؤه، فهو عطاء اللا مشروط؛ يعطي لأنه قادر، لا لأنه ينتظر مقابلاً. يشبه البحر، لا يسأل الشاطئ ماذا سيعيد له، ومع ذلك يظل كريماً. واكتفاؤه بنفسه ليس غروراً، بل شبعٌ داخليٌّ نادر؛ فهو لا يتكئ على أحد، ولا يُثقل على أحد، ومع ذلك يكون سنداً للجميع.

طيبته مع الناس ليست سذاجة، بل اختيار. اختيار أن يبقى نقيّاً في عالمٍ يتسابق فيه البعض على الخبث، وأن يحافظ على بياض قلبه رغم الطعنات. ولهذا، كل من خسره يندم عليه، لأن النقاء لا يُعوَّض، ولأن الأرواح النظيفة حين ترحل، تأخذ معها الطمأنينة.

ولحسن نيته، هو لا يخسر أحداً.
قد يُخذل، نعم، قد يتألم، نعم، لكنه لا يحمل حقداً، ولا يزرع شوكاً في قلبه. جراحه تشبه الجروح السطحية التي تلتئم مع الوقت، ويترك فيها الزمن أثر حكمة لا ندبة كراهية. ينسى من أساء إليه، لا ضعفاً، بل لأنه لا يريد أن يلوّث ذاكرته بمن لا يستحق البقاء.

بل والأجمل من ذلك، أنه يجد لاحقاً قلوباً تشبه قلبه، كما تجد الطيور المهاجرة أرضاً تشبه سماءها. يلتقي بأرواح نقية، سخية، تفهم لغته دون شرح، وتقدّر حضوره دون شروط.

أما من أساء إليه… فسيدرك متأخراً.
سيدرك حين يبحث عن صدقٍ فلا يجده، وعن أمانٍ فلا يطمئن، وعن روحٍ تشبه تلك الروح فلا يعثر. حينها فقط يفهم أن ذلك الإنسان لم يكن مجرد عابر في حياته، بل كان فرصة عمر… والفرص إذا ضاعت، لا تعود أبداً.

نقيُّ الروح لا يُكثر الضجيج، لكنه يترك صدى.
ولا يطالب بالبقاء، لكنه حين يرحل، يعلّم الجميع معنى الخسارة الحقيقية.