×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : العميد لؤي أحمد إرزيقات

إزريقات يكتب : الأمن الإعلامي بين قداسة الحقيقة وضجيج السَّبق: معركة الوعي الوطني الفلسطيني

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: العميد لؤي أحمد إرزيقات / الناطق باسم الشرطة الفلسطينية

في فلسطين، لا يُعدّ الأمن مفهوماً تقنياً محايداً، ولا الإعلام مجرد مهنة تُمارَس بمعزل عن السياق الوطني؛ فكلاهما محمّل بتاريخ من التحديات، ومثقَل بواقع معقّد، ومشدود إلى معركة مفتوحة عنوانها الوعي الجمعي الفلسطيني. ومن هنا، يبرز الأمن الإعلامي  بوصفه أحد أهم ركائز الصمود المجتمعي ، وأخطر ساحات الاشتباك مع حملات التضليل، في زمن تتقدّم فيه الكلمة أحياناً على الحدث، ويتحوّل الخبر من أداة كشف إلى أداة تشويش إذا أسيء استخدامه.

الأمن الإعلامي  مفهوم ومصطلح حديث نسبياً، كثيراً ما يُساء فهمه ويُختزل خطأً في الإعلام الأمني، في حين أن الفارق بينهما جوهري وحاسم. فالإعلام الأمني هو خطاب صادر عن اجهزة الامن ووزارات الداخلية و موجَّه إلى المواطنين، يهدف إلى التوعية، وبث الطمأنينة، وتوضيح الإجراءات في القضايا ذات الصلة بالأمن العام. أما الأمن الإعلامي، فهو مسؤولية وطنية شاملة تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية والصحفيين وصنّاع المحتوى، باعتبارهم خط الدفاع الأول عن الرواية الوطنية والصادقة، وحراس الحقيقة في مواجهة التضليل المنهجي.

ينطلق الأمن الإعلامي بشكل عام من عمق الانتماء الوطني، ويستند في فلسطين  إلى إدراك واعٍ بأن فلسطين ليست ساحة خبر عابر، بل قضية مركزية تتعرّض لتحديات مركّبة، في مقدّمتها الحرب الإعلامية والنفسية. فالمعلومة المضللة، والإشاعة، والخبر غير المتحقق، لا تُعد أخطاء مهنية فحسب، بل قد تتحوّل في السياق الفلسطيني إلى أدوات تهدد السلم الأهلي، وتربك الجبهة الداخلية، وتخدم  روايات وبرامج  التشويش دون قصد.

وفي هذا الإطار، يصبح محاربة الأخبار الزائفة، والتصدي للإشاعات، وكشف الحرب النفسية، جوهر الأمن الإعلامي . فكم من خبر متسرّع عمّق الخوف، وكم من صورة مجتزأة أشعلت فتنة، وكم من "سبق صحفي" خدم خطاب التشويش أكثر مما خدم الحقيقة . هنا، لا يعود للسَّبق قيمته المطلقة، بل مسؤولية مشروطة بميزان الوعي الوطني والأثر المجتمعي.

وتزداد التحديات تعقيداً مع هيمنة الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت كثير من الدول والمجتمعات وكذلك فلسطين إلى واحدة من أكثر الساحات استهدافاً بالإشاعة، والتلاعب بالمحتوى، وبث الأخبار الكاذبة، في ظل انتشار صحافة المواطن غير المنضبطة مهنياً. فالهاتف المحمول بات غرفة أخبار، والمنشور السريع سبقاً، وعدد الإعجابات معياراً زائفاً للنجاح، على حساب الدقة والحقيقة والمسؤولية الوطنية. وفي هذا المشهد، يغدو الأمن الإعلامي ضرورة وجودية، لا خياراً مهنياً.

ولا يمكن الحديث عن الأمن الإعلامي الفلسطيني دون الإشارة إلى دور المؤسسة الأمنية في ترسيخه، عبر تقديم رواية صادقة، متزنة، وغير مندفعة، تراعي حساسية اللحظة الفلسطينية، وتقطع الطريق على الإشاعة دون تهويل أو إخفاء. فالصمت الطويل يولّد الفراغ، والفراغ تملؤه الإشاعة، بينما الكلمة المسؤولة في توقيتها وصياغتها تحمي المجتمع وتعزز الثقة.

غير أن العلاقة بين الإعلامي الفلسطيني ورجل الأمن لم تكن دائماً مثالية  إذ ينظر بعض رجال الأمن إلى الإعلامي بوصفه باحثاً عن السَّبق مهما كانت الكلفة، غير مكترث بالأثر النفسي والاجتماعي للخبر في مجتمع يواجه ضغوطاً متراكمة. وفي المقابل، يرى بعض الإعلاميين رجل الأمن كطرف يميل إلى الرقابة والتقييد،  إلا أن التجربة الفلسطينية أثبتت أن تجاوز هذه الإشكالية لم يعد ترفاً، بل ضرورة وطنية، تفرضها حساسية المرحلة ودقة المشهد.

لقد بات واضحاً أن التنسيق والتكامل بين المؤسستين الإعلامية والأمنية هو الخيار الوحيد القادر على حماية الجبهة الداخلية الفلسطينية، دون المساس بحرية الصحافة أو المهنية. كما أصبح الاستعمال الأمثل لوسائل الإعلام من قبل المؤسسة الأمنية عاملاً أساسياً في تعزيز الثقة، ومواجهة حملات التضليل، وبناء خطاب وطني مسؤول. وهو ما يشير إلى تحوّل تدريجي نحو علاقة أقرب إلى المصالحة المهنية، تقوم على فهم متبادل للأدوار وتكامل في المسؤوليات.

وفي سياق تطوير قطاع الأمن الفلسطيني، يضطلع الإعلام بدور محوري لا يقل أهمية عن أي تطور مؤسسي، شريطة التزامه بجملة من الضوابط المهنية والأخلاقية. وفي مقدمتها: الحصول على المعلومات بطرق قانونية دون انتحال أو تضليل، واحترام سيادة القانون، بما في ذلك المثول أمام القضاء، مع السعي الجاد لتطوير التشريعات الإعلامية الفلسطينية، والضغط باتجاه إنشاء محاكم مدنية مختصة بقضايا النشر. كما تبرز ضرورة عدم التشويش على القضاء، والالتزام بعدم نشر اي معلومات ممكن ان تضطر بسير القضايا ومجريات التحقيق وهذا ما التزمت به المؤسسة الامنية  احتراماً لقرينة البراءة وصوناً للكرامة الإنسانية.

ويُضاف إلى ذلك احترام سرية المصادر، والتحقق من دقة المعلومات من أكثر من مصدر موثوق، دون تغليب منطق "السَّبق الصحفي" على الحقيقة. فالسبق الذي يُبنى على معلومة ناقصة في فلسطين قد يتحول إلى أداة تفكيك داخلي. كما يظل احترام الحياة الخاصة للمواطنين، والالتزام بالمعايير المهنية، ورفض الرقابة التعسفية، ركائز لا غنى عنها، باستثناء ما يتعلق بقضايا الرأي العام والمصلحة الوطنية العليا.

في الخلاصة، فإن الأمن الإعلامي  ليس تقييداً لحرية الصحافة، بل تحصين لها من الانزلاق في فوضى التضليل. وهو ليس خصماً للسَّبق الصحفي، بل ضابطه الأخلاقي والوطني. إنه دعوة واعية لإعادة ترتيب الأولويات، وفهم عميق بأن الخبر، والسبق، والإعجابات، لا قيمة لها إن لم تُسخَّر لحماية الإنسان ، وصون السلم الأهلي، والدفاع عن الرواية الوطنية. وفي السياق الفلسطيني فالإعلام فيها ليس مهنة فقط، بل موقف، والكلمة فيه ليست حيادية، بل مسؤولية تاريخية ووطنية.