×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتورة تهاني بشارات

بشارات تكتب : حين تتعارف الأرواح… ويصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

"إنّما يُصدِقُك من أشرَقَ فيه ما أشرقَ فيك"
بهذه العبارة الجميلة ، يلخّص ابن القيم سرّاً من أسرار العلاقات الإنسانية العميقة، ويضع يدنا على جوهرٍ نادر لا يُدركه كثيرون: ليس كل من اقترب فهم، وليس كل من سمع صدّق، وليس كل من جاور القلب بلغ حقيقته. فالتصديق الحقيقي لا يصدر عن كثرة العِشرة، ولا عن طول الصحبة، بل عن نورٍ واحدٍ يتقاطع في الأرواح، فيُحدث ذلك الانسجام الخفي الذي لا تُخطئه الفطرة.

إنها وحدة القلوب حين تتآلف بلا اتفاق مسبق، وتلتقي دون موعد، وتنسجم دون جهد. كأن الأرواح حين خُلقت، عرفت بعضها، وحين افترقت في الأجساد، ظلّ الحنين يسكنها حتى تعود فتلتقي. وحين يحدث هذا اللقاء، لا تحتاج الكلمات إلى شرح، ولا المواقف إلى تبرير؛ فهناك من يفهمك قبل أن تتكلم، ويشعر بك قبل أن تبوح، ويصدقك لأن داخله صدى صادق لما فيك.

هذا المعنى العميق يفسّر تلك الظاهرة الإنسانية النادرة: أن تجد شخصاً واحداً فقط، من بين كل هذا الزحام، يرى حقيقتك كما هي، لا كما تُرى في العيون العابرة. شخصٌ لا يحاكمك، بل يحتويك، لا يطلب منك أن تتجمّل، بل يطمئن لصدقك حتى في ضعفك. لأن روحه أشرقت من النبع ذاته الذي أشرق منه قلبك، ولأن النور حين يتشابه، لا يتصادم.

ولعل أجمل ما في هذا النوع من العلاقات، أنه لا يُرهقك بالتمثيل، ولا يستنزفك بالشرح، ولا يطالبك بأن تكون نسخة محسّنة من نفسك. هو يراك كما أنت، في صدقك وتردّدك، في قوتك وانكسارك، في صمتك وضجيجك الداخلي. ويصدقك لا لأنك بلا أخطاء، بل لأن إنسانيتك مألوفة لديه، وكأنها مرآة لشيء يسكنه هو أيضاً.

شخصٌ واحد… نعم، واحد فقط، قد يكون كافياً ليعوضك عن كثيرين. وجوده يُرمّم فيك ما هدمته التجارب، ويعيد الثقة إلى قلبٍ أرهقته الخيبات. معه تشعر أن التعب أقل، وأن الطريق أهون، وأنك لست غريباً في هذا العالم كما كنت تظن. لأن الأرواح حين تتآلف، تُخفّف ثقل الحياة، وتمنحها معنى.

في حضرة هذا الإنسان، لا تحتاج إلى أقنعة. تصمت فيفهمك، تتكلم فيُنصت، تتراجع فيحتويك، تتقدم فيؤمن بك. هو لا يُكثر الأسئلة، ولا يفتّش عن الثغرات، لأنه يرى الجوهر لا القشور، ويسمع ما بين السطور. وربما لهذا كان نادراً، فالنادر لا يتكرر، والصدق العميق لا يُوزَّع على الجميع.

ولعل الحكمة الأبلغ هنا، أن لا نُكثر العتاب على من لم يفهمنا، ولا نُرهق أنفسنا بمحاولات الشرح لمن لم يشرق فيه ما أشرق فينا. فليس كل القلوب مهيأة لهذا النور، وليس كل الأرواح قادرة على حمل الصدق ذاته. بعض اللقاءات عابرة، وبعضها درس، وبعضها أثر، لكن القليل فقط… هو الوطن.

في النهاية، يبقى هذا النوع من البشر نعمة خفية، لا يُقاس وجودها بعدد، بل بعمق الأثر. شخصٌ واحد، إذا صدّقك، كفاك. وإذا فهمك، أغناك. وإذا أشرق فيه ما أشرق فيك، فقد وجدت في هذا العالم روحاً تشبهك… وذلك، في حد ذاته، كفاية.