×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : نهاية بدور

نهاية بدور تكتب : زيت محروق وشطة زيادة.. وصفة البقاء على قيد القهر

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : نهاية بدور

في الأمس، وفي إحدى المناطق السكنية المكتظة بمدينتي، وقف بي الطريق أمام مطعم للفلافل؛ حيث يصطف الأطفال حفاةً في هذا الجو اللاذع، يقبضون على قروشهم القليلة بيد، وعلى صحن بلاستيكي مجوّف باليد الأخرى.
تفرش ملامحهم ضربات من الفقر، وندوب العوز والجوع. يخفضون رقابهم بين أكتافهم النحيلة، يتأملون وعاء الزيت وكيف تسقط فيه حبات الفلافل، وشعرتُ في سرّي أنهم يتمنون لو يشعرون بذلك الدفء الذي يوفره الزيت للحبة حتى يلفها فتحمرّ جوانبها، وتقفز معلنةً النجاة من هذا البرد الذي لا تترجمه الثلوج ولا تفهمه الأمطار.
وفي أثناء تأملي، اقتربت طفلة من البائع، تربط شعرها بقطعة "جراب" صوفية، حافية القدمين هي الأخرى، تحمل في يدها "غالوناً" بلاستيكياً فارغاً، ثم اقتربت منه قائلة:
— "عمو، ماما تريد زيتاً للطبخ!"
وقبل أن يجيبها، قلت في نفسي: ربما تريد الفتاة أن يفرغ لها بعضاً من الزيت الذي يستخدمه في القلي، فلعلها تحصل عليه بمبلغ أرخص. ولم يطل الحديث مع نفسي حتى انحنى الرجل تحت الطاولة، وأخرج "تنكة" من الزيت المحروق الذي تم إستخدامه في قلي الفلافل، وقام بتعبئة الغالون للطفلة التي أعطته نصف دينار، وحملته بين يديها تعرج به من الرصيف إلى الشارع، ثم إلى بيتها هناك!
هنا نظرتُ نحو البائع وقد تملكني الفضول—وأنا بطبعي أحب التفاصيل وما وراء التفاصيل حين يتعلق الأمر بالأشياء التي تثير حزني—فقلت له:
— "لقد طلبت منك الطفلة زيتاً للطبخ، وأنت أعطيتها زيتاً مستخدماً محروقاً، أليس كذلك؟"
فردّ مباغتاً:
— "أنتِ لستِ من هنا، أليس كذلك؟"
— "لا، كنتُ في محل مجاور."
— "أهلاً بكِ.. ما لا تعرفينه أن معظم أهالي هذه المنطقة لا يجدون قوت يومهم، فلا يعرفون الدكاكين ولا المؤسسات ولا "المولات" أيضاً؛ ولذلك يضطرون لشراء زيت الفلافل المستخدم ليطهوا به طعامهم!"
— "ولكنه ليس صحياً!" قلتها بصوت نافر غاضب، وأنا أبتلع شيئاً ما في جوفي.. كان بكاءً مالحاً مراً!
ضحك صاحب المطعم قائلاً:
— "أنا أتحدث لكِ عن عوز وفقر وبطالة، ثم إنكِ هنا في منطقة يكثر فيها أصحاب الأتاوات والوشوم والسوابق، أتفهمينني؟"
— "وما دخل الزيت؟"
— "لا دخل للزيت.. هؤلاء الأطفال معظمهم يعيشون بلا آباء، أغلبهم موقوفون وبلا معيل! ثم من يفكر بالطعام الصحي؟ أتجدينهم ممن يهتمون لهذه السخافات؟"
— "ولكن الزيت محروق، ومستخدم، و..."
— "لكنه لذيذ، أقسم لكِ! ثم إن هذه العائلات تعيش عليه منذ عشر سنوات فلا تبتئسي.. والآن، أتريدين "الساندويش" بالفلفل الحار أم بدونه؟"
وقبل أن أكمل أو أجيب، أو حتى أتناول شطيرتي، قال لي:
— "يا مِس! الناس هنا يكرهون الفضول والفضوليين.. هناك امرأة قادمة وأظن أن حوارنا قد وصل لمسامعها. هاكِ الكيس، فيه شطيرتان وكيس من الفلافل هدية لكِ بذات الزيت المحروق، ولا تنسي: الورقة الممزوعة تعني أن فيها شطة!"
طلبتُ سيارة أجرة وصعدتُ بها، وقبيل نزولي قلت للسائق:
— "هذا لك" (وقصدتُ كيس الشطائر).
فنظر إليه وقال لي:
— "دخيلك! لستُ معتاداً على الطعام الذي يُطهى بزيت السيارات!"
نزلتُ من السيارة وتركتُ خلفي كيس (الفلافل) وصاحب المطعم وتلك الطفلة، لكنني لم أستطع أن أترك خلفي تلك الحقيقة المُرّة. أنّه وفي تلك الأزقة، لا يُقاس العمر بالسنوات، بل بعدد المرات التي نجا فيها الجسد من سموم الفقر.