×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : آلاء سلهب

سلهب تكتب: العقل المكيافيلي

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: آلاء سلهب التميمي

رغم مرور أكثر من خمسة قرون على صدور كتاب «الأمير» لنيكولو مكيافيلي، ما زالت أفكاره حاضرة بقوة في مشهد السياسة المعاصرة.

فالرجل الذي كتب في زمن الفوضى والصراعات الإيطالية، قدّم رؤية واقعية قاسية لطبيعة الحكم، تقوم على فهم السلطة كما تُمارَس لا كما يُفترض أن تكون.

لم يكن مكيافيلي فيلسوفًا حالمًا، بل مراقبًا دقيقًا لسلوك الحكام والبشر، ولذلك صاغ ما يمكن تسميته اليوم بـ «العقل المكيافيلي»؛ عقل سياسي يقدّم البقاء في السلطة على أي اعتبار آخر.

من أكثر الأفكار إثارة للجدل في فكر مكيافيلي مبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة.

وهو مبدأ لا يدعو صراحة إلى الشر، بقدر ما يعكس قناعة بأن الحاكم محكوم بواقع قاسٍ، تتصارع فيه المصالح، وتُهدد فيه الدولة من الداخل والخارج.

وفي هذا المنطق، يصبح الحفاظ على السلطة شرطًا لتحقيق الاستقرار، حتى وإن تطلب ذلك قرارات صعبة أو وسائل لا تنسجم دائمًا مع القيم الأخلاقية التقليدية.

وقد رأى مكيافيلي أن النتائج، لا النوايا، هي ما يحكم على نجاح الحاكم أو فشله.

ينظر مكيافيلي إلى السياسة بوصفها مجالًا مليئًا بالتناقضات، حيث البشر متقلبون، والولاءات غير ثابتة، والمصالح تتقدم على المبادئ. لذلك، فإن الحاكم – في نظره – لا يملك ترف المثالية، بل عليه أن يتعامل مع الواقع كما هو، لا كما يحب أن يكون.

هذا التصور ما زال حاضرًا في السياسة المعاصرة، حيث نشهد تحالفات غير متوقعة، ومناورات تكتيكية، وأحيانًا استخدامًا للتضليل أو الخداع، وكل ذلك تحت شعار “المصلحة العليا”.

وأدرك مكيافيلي مبكرًا قوة الصورة العامة في الحكم، فشدد على أن الحاكم لا يكفي أن يكون قويًا، بل يجب أن يبدو كذلك.

فالمظاهر، والخطاب، والرمزية السياسية أدوات لا تقل أهمية عن القرار نفسه.

في السياسة الحديثة، تتجلى هذه الفكرة بوضوح في إدارة الحملات الإعلامية، وصناعة الخطاب، والتواجد المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي.

فالإدراك العام أصبح أداة سلطة بحد ذاته، تُستخدم لبناء الشرعية أو تقويض الخصوم.


ومن أبرز التكتيكات المكيافيلية مبدأ «فرّق تسد»، حيث يُنصح  باستغلال الانقسامات داخل المجتمع أو بين الخصوم لإضعاف أي تهديد محتمل وهو ما يحدث اليوم من ايدي خفيه تتلاعب بالشعوب لنشر خطاب الكراهيه والعنصرية لتفتيت المجتمع.

هذه الاستراتيجية لم تختفِ، بل تطورت بأشكال جديدة في السياسة الصهيونيه المعاصرة.

نراها اليوم في استثمار الخلافات العرقية أو الدينية أو الأيديولوجية، وفي تغذية خطاب “نحن” مقابل “هم”، بما يعمّق الاستقطاب ويحول دون بناء توافق وطني حقيقي.


ويرتبط فكر مكيافيلي بما يُعرف بالسياسة الواقعية، حيث تُقدَّم الحسابات العملية على المبادئ الأخلاقية.

فالقائد المكيافيلي مستعد لتغيير مواقفه، وعقد تسويات، وتقديم تنازلات، إذا كان ذلك يخدم بقاؤه ونفوذه.

وهذا النهج قد يحقق نجاحًا سريعًا، لكنه غالبًا ما يترك أثرًا طويل الأمد على الثقة العامة، ويُضعف الإيمان بالسياسة كمجال أخلاقي يخدم المجتمع لا المصالح الضيقة.

لا يمكن إنكار أن العقل المكيافيلي ما زال فاعلًا في السياسة الصهيونيه.

في عالم تتقاطع فيه المصالح وتشتد فيه الصراعات، لم يعد الوعي ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. فالشعوب الواعية هي خط الدفاع الأول عن أوطانها، وهي القادرة على التمييز بين السياسة التي تحمي الدولة، والسياسة التي تُغذّي الانقسام وتُهدد الأمن والاستقرار.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس الخلاف في الرأي، بل تحويل هذا الخلاف إلى عنصرية وكراهية وتفرقة تُستثمر سياسيًا لضرب وحدة الصف.

وحين تغيب الحكمة، يصبح الوطن ساحة صراع بدل أن يكون مظلة جامعة للجميع.

لذلك، فإن مسؤولية حماية الأمن الوطني لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تبدأ من وعي المواطن، ورفضه للخطاب التحريضي، وتمسكه بوحدة المجتمع، وإدراكه أن قوة الأوطان لا تُبنى بإضعاف بعضها البعض، بل بتكاملها وتماسكها.

فالوعي هو السلاح الأقوى،
وبه تُفشل أخطر المخططات،
وتُصان به الأوطان.