بقلم : الدكتور محمد يوسف حسن بزبز / سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي
في لحظات الوداع النبيل، لا تكتفي الكلمات بالعجز عن الإحاطة بسيرةٍ عامرة، بل تقف مثقلة بالامتنان، حائرة أمام تجربة قيادية كُتبت بالعمل الصادق، والعطاء الهادئ، والمسؤولية التي لم تكن يومًا منصبًا، بل رسالة وضميرًا حيًّا.
هكذا نودّع اليوم التربوية الفاضلة ست رائدة العاصي، مديرة مدرسة الخنساء الثانوية للبنات، لا بوصفها وظيفة أُغلقت، بل مسيرة اكتملت، وأثرًا بقي، وتجربة قيادية تستحق أن تُروى وتُحتفى بها.
لم تكن رائدة العاصي يومًا مديرة بالمعنى الإداري الضيق، بل كانت روحًا تُدير المكان، وعقلًا يُخطّط بهدوء، وقلبًا يحتوي الجميع بعدل وحكمة.
حضورها كان باعثًا على الطمأنينة، وقراراتها اتسمت بالإتزان، وكلماتها كانت تُصلح قبل أن تُحاسب، وتُوجّه قبل أن تُعاتب، في نموذج قيادي جمع الحزم بالإنسانية، والنظام بالرحمة.
في مدرسة الخنساء الثانوية للبنات، لم يكن البناء جدرانًا فقط، بل قيَمًا راسخة، ولم يكن الانضباط خوفًا، بل وعيًا ومسؤولية، ولم يكن النجاح أرقامًا في سجلات، بل طالبات واثقات بأنفسهن، ومعلمات يعملن في بيئة يسودها الاحترام والأمان. مدرسة حملت روح قائدة آمنت بأن التربية إنسان قبل أن تكون نظامًا، ورسالة قبل أن تكون إجراءات.
ولا يكتمل الحديث عن هذه المسيرة دون الإشارة إلى الجذور العلمية التي شكّلت وعيها القيادي؛ إذ جمعت الزمالة الأكاديمية بالزميله رائدة العاصي في برنامج الدبلوم العالي في الجامعة الأردنية – تخصص الإدارة المدرسية، حيث عُرفت طالبة جادة، عميقة الفهم، واضحة الرؤية، تؤمن بأن القيادة وعي، وبأن الإدارة بناء متكامل لا قرارات عابرة. وحين انتقلت المعرفة إلى الميدان، أثبتت أن ما يُتعلّم يمكن أن يتحول إلى ممارسة واعية، ونهج متزن، وإدارة تحسن المزج بين النظرية والتطبيق، وبين الصرامة والإنصاف.
عمليًا، تركت العاصي مدرسة منظمة، واضحة الرؤية، راسخة الأنظمة، مستقرة الأداء، نتيجة إيمانها العميق بالعمل المؤسسي، وبناء الثقة داخل الفريق التربوي، وتعزيز الانضباط القائم على الاحترام، ومتابعة التحصيل الدراسي بروح الدعم لا الضغط، وفتح أبواب الحوار والتطوير المستمر، مع الحفاظ على كرامة المعلمة، وأمان الطالبة، وقدسية الرسالة التربوية. ولعل أعظم إنجازاتها، وإن لم يُدوَّن في التقارير، أنها حافظت على إنسانية المكان، وجعلت من المدرسة بيتًا آمنًا للتعلّم والنمو.
إن التقاعد في مسيرة رائدة العاصي ليس نهاية طريق، بل بداية راحة مستحقة بعد عطاء أُنجز بأمانة وإخلاص، وانتقال من موقع العمل اليومي إلى موقع القدوة الدائمة. فالأثر لا يُحال إلى التقاعد، والذكر الطيب لا يُغلق بملف، والقيادة الحقيقية تبقى حاضرة بما تركته من قيم وأثر.
اليوم، نقول شكرًا لكل صباح بدأ بالمسؤولية، ولكل قرار وازن بين النظام والرحمة، ولكل جهد صامت لم يُعلن، ولكل أمانة أُدّيت بإخلاص. ونسأل الله أن يجزيها عن كل حرف علّمت، وكل نفس احتوت، وكل رسالة أدّتها، خير الجزاء، وأن يمنّ عليها بالصحة والطمأنينة والرضا، وأن يجعل ما قدّمته صدقة جارية وأثرًا لا ينقطع.
ستبقى مدرسة الخنساء تحمل بصمتك، وستبقى سيرتك شاهدًا على قيادة تربوية راقية، وإنسانية صادقة، ومسيرة يُفتخر بها.






