د. يزيد أحمد الحاوي
لم تعد التكنولوجيا في العصر الحديث مجرد أدوات تكميلية، بل أصبحت المحرك الأساسي لصناعة القرار ورسم ملامح الأداء المؤسسي. ومع هذا التحول، برزت الحاجة الماسة إلى أنماط قيادية جديدة تتجاوز الأنماط التقليدية، وهو ما نصطلح عليه بـالقيادة المهنية في التكنولوجيا.
إن القيادة المهنية في هذا المضمار ليست مجرد إلمام بالخوارزميات أو الأنظمة الرقمية، بل هي تجسيد للقيادة التحويلية (Transformational Leadership) التي لا تكتفي بإدارة الوضع الراهن، بل تسعى لإعادة ابتكار المؤسسة رقميًا. فالقائد الحقيقي هو من يرى في التكنولوجيا وسيلة للتمكين لا غاية في حد ذاتها، ويوظفها بوعي يخدم رسالة المؤسسة دون أن يفقد البوصلة الإنسانية.
يتشكل القائد المهني الملهم من خلال تقاطع عدة أنماط قيادية رئيسية تمنحه القوة في العصر الرقمي، فالقيادة الرؤيوية (Visionary Leadership): تتجلى في الاستشراف التقني؛ القدرة على التنبؤ بموجات التغيير قبل حدوثها، وفهم كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي أو البيانات الضخمة على مفاصل العمل. والقيادة الموقفية (Situational Leadership) تظهر في المرونة الذكية؛ حيث يغير القائد أسلوبه بناءً على سرعة المتغير التقني ونضج الفريق، فيكون موجهًا عند إدخال تقنية جديدة، ومفوضًا عندما يستوعب الفريق أدواته. والقيادة الخادمة (Servant Leadership) وتتمثل في تمكين الكوادر؛ حيث يضع القائد أدوات التكنولوجيا في يد فريقه ليسيطروا عليها، مؤمنًا بأن أنسنة الآلة تبدأ من تقدير عقل الإنسان الذي يشغلها.
في ظل هذا التسارع، تبرز القيادة الأخلاقية (Ethical Leadership) كضرورة حتمية لمواجهة تحديات الرقمنة كإدارة مقاومة التغيير عبر تبني القيادة التشاركية التي تشرك الموظفين في صياغة التحول الرقمي، مما يقلل من القلق الوجودي تجاه الآلة. وسد الفجوة المهارية من خلال خلق بيئة التعلم التنظيمي المستمر، حيث تصبح المؤسسة مدرسة تقنية لا تتوقف. أما المعضلة الأخلاقية فلا بد للقائد أن يعمل كحارس للقيم، يضمن أن خوارزميات البيانات لا تنتهك الخصوصية ولا تُلغي العدالة.
وفي القطاع التربوي، ننتقل إلى القيادة التربوية (Educational Leadership) بعباءة رقمية.
القائد هنا لا يدير أجهزة، بل يدير عقولاً. تتمحور مهمته حول بناء بيئات تعليمية آمنة، حيث تُستخدم التكنولوجيا لتنمية التفكير النقدي لا لتسطيح الوعي. إنها قيادة تصنع جيلاً يرى في التكنولوجيا شريكًا في التفكير وليس بديلاً عن العقل.
إن بناء قيادة مهنية فاعلة يتطلب تبني القيادة المستدامة (Sustainable Leadership)، التي لا تلهث خلف بريق التكنولوجيا اللحظي، بل تبحث عن الأثر طويل الأمد. التقنية مهما بلغت من تعقيد، تظل طاقة كامنة لا تتحرك إلا بوعي القائد المهني الذي يوازن بين الحداثة والأصالة وبين الابتكار والمسؤولية.
وفي الختام، يمكن القول أن القيادة المهنية في التكنولوجيا تمثل حجر الأساس لنجاح المؤسسات في العصر الرقمي فالتكنولوجيا حين تُقاد بعقل مهني وقلب إنساني، تتحول من عبء تقني إلى مسار حقيقي للنهوض والتقدم.






