بقلم: المحامية غيداء عبيدات
المصلحة الفضلى لا تعني توفير المسكن والنفقة فحسب، بل تشمل الاستقرار النفسي، والشعور بالأمان، واستمرار العلاقة الصحية والمتوازنة مع كلا الوالدين. فالطفل ليس طرفًا في النزاع، ولا يجوز أن يكون أداة ضغط أو وسيلة انتقام، بل هو محور الحماية والرعاية.
الحضانة المشتركة كمدخل لتحقيق التوازن
الحضانة المشتركة ليست مجرد تقسيم أيام، وإنما هي شراكة فعلية في التربية، واتخاذ القرارات التعليمية والصحية، ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية. هذا النموذج يعزز شعور الطفل بالانتماء للطرفين، ويقلل من آثار الانفصال النفسية، ويحدّ من النزاعات المتكررة أمام القضاء.
كما أن تبني ثقافة الحضانة المشتركة يرسّخ مفهوم المسؤولية بدلاً من منطق الغلبة، ويحوّل العلاقة بين الأبوين – رغم الانفصال – إلى علاقة تعاون تحكمها مصلحة الصغير.
أثر العلاقة الزوجية المضطربة على نفسية الأطفال
قد يظن بعض الأزواج أن استمرار الحياة الزوجية – ولو كانت قائمة على الصراخ وعدم التفاهم – هو الخيار الأفضل من أجل الأبناء. إلا أن الواقع النفسي للصغار يثبت عكس ذلك.
فالطفل الذي يعيش في بيت يسوده التوتر الدائم يفقد الشعور بالأمان، ويصبح عرضة للقلق والترقب المستمر. الصراخ المتكرر يزرع داخله خوفًا خفيًا، ويؤثر في ثقته بنفسه وبالبيئة المحيطة به.
كثير من الأطفال يحملون أنفسهم – دون وعي – مسؤولية الخلافات، فينشأ لديهم شعور بالذنب أو الميل إلى الانطواء أو السلوك العدواني. كما أن النموذج السلبي للعلاقة الزوجية قد يشوّه مفهومهم المستقبلي عن الزواج، فيعتادون نمط الصراع أو يخشون الارتباط.
ولا يتوقف الأثر عند حدود البيت؛ بل يمتد إلى التحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية، حيث يتراجع التركيز ويزداد الاضطراب السلوكي نتيجة غياب الاستقرار العاطفي.
أحيانًا يكون الطلاق طريقًا للاستقرار
الأصل هو الحفاظ على الأسرة، لكن الاستمرار في علاقة معدومة المودة والرحمة قد يكون أشد ضررًا من الانفصال ذاته. فاستقرار الصغير لا يقاس ببقاء الأبوين تحت سقف واحد، بل بوجود بيئة هادئة يسودها الاحترام.
إذا تحولت الحياة الزوجية إلى صراع دائم، فإن قرار الطلاق المنظم، المصحوب باتفاق واضح على حضانة مشتركة قائمة على التعاون، قد يكون الخيار الأكثر اتزانًا والأقل ضررًا على الصغار.
الوقت الضائع وثمن الاستمرار في الخطأ
سنوات النزاع المستمر تُهدر من عمر الأطفال في مرحلة هي الأهم في تشكيل شخصياتهم. فالوقت الذي يقضونه في بيئة مشحونة لا يُعوَّض، وآثاره قد تبقى معهم طويلًا. إن الشجاعة في اتخاذ قرار يضع حدًا للصراع، مع الحفاظ على علاقة أبوية متوازنة، قد تختصر الكثير من الألم.
ختامًا
تحفيز الحضانة المشتركة لا يعني تشجيع الطلاق، بل يعني ترسيخ مفهوم أن مصلحة الصغير هي الأولوية المطلقة. فالاستقرار العائلي لا يتحقق بالشكل، بل بالمضمون. وأحيانًا يكون الانفصال الواعي، القائم على الاحترام والتعاون، أكثر حماية للأطفال من استمرار علاقة يغيب عنها التفاهم والسكينة.
فالأسرة المستقرة – ولو في بيتين منفصلين – خيرٌ من أسرة مجتمعة يسكنها الصراع. والمصلحة الفضلى للصغار يجب أن تبقى البوصلة التي تهدي كل قرار






