×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتورة ثروت المعاقبة

المعاقبة تكتب : كانت القلوب ذهبا حتى دخلتها الخيوط بين النظام والفوضى خيط رفيع

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : د. ثروت المعاقبة

في غابةٍ بعيدة جدا عن أنظار  البشر تهتز أوراق الأشجار مع كل هبة ريح، لم يكن الخطر في أنياب الحيوانات المفترسة، بل في خيوطٍ رفيعة جدا  لا ترى… خيوط تنسج باسم الصداقة والمحبة، ولكنها تخنق الجميع ببطء شديد.

هناك...... يظن الجميع أن القوة والعظمة في الزئير والضخامة، وهنا تحديدا  تكشّف حقيقةٌ أعظم من ذلك بكثير وهي أن أضعف البيوت ليس ما بني من قش أو طين، بل ما بني بقلوب مجروحة وعلاقات سامة.

وهنا تبدأ الحكاية......

في أحد ليالي الصيف الجميلة، لم يجتمع مجلس الغابة ليتحدث عن صيدٍ أو حدود أو مشاكل عادية فقط، بل تحدثوا عن خطرٍ  عظيم أخطر من العواصف والكوارث… خطر انهيار النظام حين تتآكل الثقة، وحين يتحوّل البيت إلى شبكة خانقة، والصديق إلى قناص بارع في انتهاز الفرص للايقاع بصديقة.


وسط الغابة، تحت ظلال الأشجار الجميلة والعالية، اجتمعت الحيوانات في ساحة واسعة اعتادوا أن يعقدوا فيها اجتماعاتهم كل شهر.... كان  "الأسد" ملك الغابة يجلس متصدرا المجلس، وإلى جانبه الفيل الضخم، وحولهم الغزال والقرد والبومة الحكيمة، وحتى العنكبوت كانت قد نسجت بيتها بين غصنين قريبين منهم.

تقدّمت البومة الحكيمة، وقالت بصوت هادئ:

"يا أهل الغابة، لقد كثرت في أيامنا هذه الخلافات والنزاعات، وسمعنا عن صداقاتٍ تحولت إلى علاقات سامة، وعن نظام بدأ يختل ....علينا أن نتحدث في هذا الأمر المهم والعاجل."

قاطع القرد البومة وقال:
"كنت أظن أن كثرة القرب بين الحيوانات تعني الأمان والحماية، لكنني أخطأت فقد تعلقت بثعلب ماكر، كان يمدحني في وجهي ويسخر مني خلف ظهري كنت أعيش في بيت من الأوهام."

هز الغزال رأسه بحزن شديد:

"وأنا رافقت ذئبا أقنعني أنني ضعيف بدونه، ولا أستطيع أن أعمل شيئا، فصرت أخاف السير وحدي، فجعلني أظن أن بقائي مرهون برضاه ووجوده في حياتي."

عندها تحركت العنكبوت وقالت :
"أما أنا  فبيتي يراه الجميع ضعيفا، وقد قيل في كتاب الله الكريم: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ)، يظن الجميع أن ضعفي في خيوطي، ولكن الحقيقة أن الضعف في الصراع الداخلي، فبيتي قد يبدو متماسكًا، لكنه يقوم على خيوطٍ منفصلة، إذا اختلّ توازنها انهار كله."

سكتت قليلا ثم أضافت:
"العلاقات السامة تشبه بيتي حين يُبنى البيت بلا نظام... خيوط متشابكة بلا انسجام، كل خيطٍ يشد في اتجاه مختلف. لا دفء ولاحتى أمان، فقط شبكة توقع من يدخلها وتأسره للأبد."

وأضاف الفيل قائلا:
"إذن ليست القوة في الصلابة والشدة، بل في النظام.... نحن في الغابة نعيش بنظام  لكل حيوان منا دور ومهمه، ولكل شجرة مكان.. إذا اعتدى أحدنا على مساحة الآخر، اختلّ التوازن وعمت الفوضى."

قال الأسد بحزمٍ شديد:

"النظام في الغابة ليس خوفا من القوي، بل احتراما للقانون والنظام.... الصديق الصالح يقوي صاحبه فلا يضعفه، ولا يربطه بخيوط الوهم والخيال."

اقتربت البومة من بيت العنكبوت وقالت لها:
"يا عنكبوت، بيتك أوهن البيوت حين يغيب عنه التعاون، وكذلك القلوب، إذا بنيت على الخداع والأنانية، صارت أوهن من خيطك وبيتك."

عم الهدوء في الغابة وشعرت الحيوانات بشيءٍ من الطمأنينة.

قال الغزال بثقة جديدة لم يعهدها أحد:
" من اليوم سأختار أصداقاتي كما أختار طريقي بين الأشجار، واضحا، آمنا، لا تحجبه الظلال."

وضحك القرد وقال:
"وأنا سأتعلم أن أميّز بين من ينسج لي أرجوحة، ومن ينسج لي شبكة ليوقعني بها!"

فابتسمت العنكبوت وقالت:
"أما أنا فسأحرص أن يكون بيتي رمزا للنظام لا للفوضى، وأن تكون خيوطي متعاونة لا متنازعة."

ومنذ تلك الليلة، صار مجلس الغابة يذكر الجميع:
أن أوهن البيوت ليس ما كان من خيوط، بل ما بني على علاقاتٍ مسمومة.

وأن الغابة لا تزدهر بقوة فرد واحد، بل بنظام عادل يحفظ لكل كائن مكانه وحدوده ودوره، ويجعل العلاقات بين القلوب أقوى من أي خيط بالي.