×
آخر الأخبار

شبح "المورسكيين" في أزقة غرناطة.. أين اختفى أهل الأندلس وكيف ذابت حضارتهم في صمت؟

{title}
22 الإعلامي   -

عندما تقف اليوم أمام عظمة "قصر الحمراء" في غرناطة، وتستمع إلى خرير المياه في نوافيره الأسطورية، سيغمرك شعور غريب؛ فالمكان ينبض بالحياة، لكن أصحابه الذين شيدوا هذا الإعجاز المعماري غير موجودين. في كل معالم العالم الكبرى، تجد الأحفاد يقرأون الفاتحة أو الصلوات على أرواح أجدادهم، إلا في الأندلس، هناك "فراغ بشري" يطرح السؤال الأصعب: أين ذهب هؤلاء؟ وهل تبخر مئات الآلاف من البشر فجأة؟

الحقيقة ليست مجرد رحيل، بل هي واحدة من أبشع قصص التطهير العرقي والثقافي في التاريخ، قصة شعب أطلق عليه الإسبان لقب "المورسكيين".

من "التعايش الذهبي" إلى الانكسار

لم تكن الأندلس مجرد فتح عسكري، بل كانت تجربة حضارية فريدة تُعرف بـ "الكونففنسيا" أو التعايش. في قرطبة عام 950م، وبينما كانت باريس قرية صغيرة، كانت قرطبة تحتضن نصف مليون نسمة، يدرس فيها الطبيب المسلم "الزهراوي" بجانب الوزير اليهودي "حسداي بن شبروط" وبمساعدة الرهبان المسيحيين. لكن دوام الحال من المحال؛ فمع سقوط الممالك الأندلسية واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى سقوط غرناطة عام 1492، بدأت مأساة "المورسكيين" (وهي كلمة تعني المسلمين الصغار أو المزيفين كما وصفهم المحتل آنذاك).

خديعة "معاهدة غرناطة"

عندما سلم "أبو عبد الله الصغير" مفاتيح غرناطة للملكين "فرديناند وإيزابيلا"، كانت المعاهدة تنص على احترام دين المسلمين ولغتهم ومساجدهم. لكن الوعود السياسية كانت حبراً على ورق. لم تمر سنوات قليلة حتى ظهر الكاردينال "سيسنيروس" الذي أحرق آلاف المخطوطات العربية في ساحات غرناطة، وخيّر الناس بين "التعميد القسري" أو "الرحيل دون ممتلكات".

الحياة المزدوجة.. مسلم في السر

هنا بدأت واحدة من أعقد فترات التاريخ الإنساني. صدرت "فتوى وهران" الشهيرة لتجيز للمسلمين إظهار المسيحية للحفاظ على أرواحهم. أصبح المورسكي يذهب للكنيسة صباحاً ويؤدي طقوس التعميد، لكنه يعود لمنزله ويتوضأ ويصلي خلف الأبواب المغلقة. كانوا يخبئون المصاحف في جدران المنازل (والتي لا تزال تكتشف حتى يومنا هذا في سرقسطة وأراغون)، ويعلمون أطفالهم العربية سراً في أقبية البيوت.

محاكم التفتيش: هندسة الرعب

لم يكتفِ الحكم الإسباني بالتعميد، بل أطلق "محاكم التفتيش" لملاحقة النوايا. كان الجواسيس يراقبون من يستحم يوم الجمعة، أو من يرفض أكل لحم الخنزير، أو من يلبس ثياباً نظيفة في العيد. وسائل تعذيب يندى لها الجبين، من "سرير التمدد" إلى "الإيهام بالغرق"، كانت تُستخدم لانتزاع اعترافات بالهرطقة، لتنتهي المسرحية بمهرجانات حرق البشر أحياء في الساحات العامة تحت مسمى "فعل الإيمان".

الرحيل المر.. كيف خسر الجميع؟

في عام 1609، صدر القرار النهائي: الطرد الشامل. أكثر من 300 ألف إنسان أُجبروا على ركوب سفن متهالكة نحو شمال إفريقيا. مات الآلاف غرقاً، وتعرضوا للنهب من القراصنة، وحتى عندما وصلوا لتونس والمغرب والجزائر، وجدوا صعوبة في الاندماج في البداية لأنهم كانوا يتحدثون الإسبانية ويرتدون ملابس أوروبية.

المفارقة التاريخية هي أن إسبانيا، بعد طرد هؤلاء المهرة من مزارعين وحرفيين، دخلت في انهيار اقتصادي ومجاعة استمرت لقرون؛ فقد طردوا "عصب الحياة" من بلادهم من أجل نقاء عرقي موهوم.

هل انتهى أثرهم؟

اليوم، تشير الدراسات الجينية إلى أن حوالي 10% إلى 20% من سكان إسبانيا الحاليين يحملون جينات مورسيكية. أهل الأندلس لم يختفوا تماماً؛ جزء منهم ذاب في المجتمع الإسباني قسراً، والجزء الأكبر نقل حضارته وعمارته وموسيقاه (المألوف والموشحات) إلى بلاد المغرب العربي، لتبقى الأندلس حية في "الروح" حتى لو ضاعت من "الخارطة".

كلمات دلالية :