×
آخر الأخبار

لغز "أوليانوف": كيف أشعل لينين فتيل الثورة التي التهمت القياصرة وغيرت وجه الأرض؟

{title}
22 الإعلامي   -

من يصدق أن رواية صغيرة وُضعت في زاوية مكتبة مهجورة، قد تكون أخطر من قنبلة موقوتة؟ في عام 1863، كتب "نيكولاي تشيرنيشيفسكي" رواية بعنوان "ما العمل؟"، كانت مجرد أحلام لخياطة بسيطة، لكنها سقطت في يد شاب يدعى "فلاديمير أوليانوف". في تلك اللحظة، لم يقرأ الشاب مجرد كلمات، بل قرأ دستوراً لحياته الجديدة.. لحظة تحول فيها "أوليانوف" إلى "لينين"، الرجل الذي شطر التاريخ نصفين.

روسيا.. القدر الذي يغلي تحت الجليد

في منتصف القرن التاسع عشر، كانت روسيا تعيش في "زمن موازٍ". وبينما كانت أوروبا تشتعل بالثورة الصناعية وتتحدث عن حقوق المواطن، كان الفلاح الروسي لا يزال "عبداً" في إقطاعية، يحكمه قيصر يستمد شرعيته من "الحق الإلهي" .

لكن الجرح الحقيقي الذي صنع لينين لم يكن سياسياً فقط، بل كان شخصياً جداً. إعدام شقيقه الأكبر "ألكسندر" بتهمة محاولة اغتيال القيصر، كان "الدش البارد" الذي أيقظ في قلب فلاديمير كراهية لا تنطفئ لكل ما هو قيصري. لقد حبس لينين نفسه وسط كتب شقيقه، ليبدأ رحلة البحث عن "الثغرة" في جدار النظام.

"ما العمل؟".. من الحلم إلى المشرط الجراحي

بينما كان ماركس ينتظر "حتمية التاريخ" وأن تثور الشعوب الصناعية المتطورة، كان لينين أكثر تعجلاً وأقل إيماناً بقدرة الجماهير العفوية. بالنسبة له، "الجوع وحده لا يصنع ثورة، بل يصنع فوضى". ومن هنا ابتكر فكرة "الحزب الطليعي"؛ تلك المجموعة الصغيرة، النخبوية، والمنظمة التي تقود "البروليتاريا" (الطبقة العاملة) نحو النصر.

لينين لم يرد حزبًا يجمع "المتابعين" أو الباحثين عن الوجاهة، بل أراد "ماكينة ثورية". وهذا ما أحدث الانقسام الشهير داخل حزب العمال:

المناشفة: الذين أرادوا حزباً شعبياً كبيراً وتغييراً تدريجياً.

البلاشفة (الأغلبية): بقيادة لينين، الذين آمنوا بالضربات الخاطفة والقبضة الحديدية.

الشرارة التي التهمت "قصر الشتاء"

لم يكن نجاح لينين وليد الصدفة، بل كان اقتناصاً بارعاً للحظات الضعف. الحرب العالمية الأولى كانت "المحرقة" التي التهمت هيبة القيصر نيكولاس الثاني. الملايين ماتوا، والجوع ضرب المدن، والجيش بدأ يشك في قائده. وفي وسط هذا السواد، ظهر "راسبوتين"؛ الرهيب الغامض الذي سيطر على البلاط، ليصبح وجوده المسمار الأخير في نعش شرعية القياصرة.

في أبريل 1917، عاد لينين من منفاه في سويسرا حاملاً "أطروحات أبريل". لم يتفاوض، ولم يساوم. رفع شعاراً واحداً زلزل القرى والمدن: "الأرض، الخبز، والسلام". هذا الثالوث كان كل ما يحلم به الإنسان الروسي المسحوق.

أكتوبر 1917: حين أمسك "الحرس الأحمر" بمقاليد القدر

بقيادة "ليون تروتسكي" - العقل العسكري المدبر وصديق لينين اللدود - استولى الحرس الأحمر على المراكز الحيوية في "بتروغراد". وفي ليلة واحدة، سقط "قصر الشتاء"، ليسقط معه نظام دام قروناً. لم تكن مجرد ثورة روسية، بل كانت أول تجربة "شيوعية" في التاريخ تحكم دولة بحجم قارة.

الوجه الآخر للعملة: "الإرهاب الأحمر" ومرض الحزب

لكن الثورة ليست "نزهة". بناء المجتمع الجديد تطلب دماءً غزيرة في حرب أهلية طاحنة بين الجيش الأحمر (البلاشفة) والجيش الأبيض (الموالين للنظام القديم). وهنا ظهر مصطلح "الإرهاب الأحمر"؛ تصفية كل من يشك في ولائه للثورة، حتى لو كان من العمال أنفسهم.

في أواخر أيامه، وبعد نجاته من محاولة اغتيال تركت رصاصاتها أثراً في جسده، بدأ لينين يرى "شبحاً" آخر ينمو داخل الحزب. لم يكن عدواً خارجياً، بل كان رجلاً صامتاً، يراقب من خلف الأبواب المغلقة، ويجمع الخيوط ببراعة: جوزيف ستالين.

وصية لينين المحذوفة: "احذروا من هذا الرجل"

في لحظاته الأخيرة، كتب لينين وصيته الشهيرة محذراً من "فظاظة" ستالين وطموحه الذي لا يرتوي للسلطة، وطالب بعزله. لكن "سكرتير الحزب" كان قد أحكم قبضته بالفعل. رحل لينين عام 1924، ليدخل الاتحاد السوفيتي عصر "الرجل الحديدي" الذي قتل من رفاقه أكثر مما قتل أعداؤه.

لماذا لا يزال العالم يتذكر لينين؟

سواء كنت تراه ملهماً للشعوب المسحوقة أو ديكتاتوراً أسس لمنظومة قمعية، لا يمكنك إنكار أن لينين هو السبب الخفي وراء حقوق العمال التي نتمتع بها اليوم. فأنظمة الرأسمالية في الغرب، خوفاً من "عدوى" الثورة البلشفية، اضطرت لتقديم تنازلات تاريخية: التأمين الصحي، ساعات العمل المحدودة، والتعليم المجاني. لقد كان لينين "صافرة الإنذار" التي أجبرت العالم على الالتفات للفقراء.

اليوم، يرقد جسد لينين المحنط في ضريحه بالساحة الحمراء، شاهداً على رجل لم يغير حدود الخرائط فحسب، بل غير طريقة تفكير البشر في القوة، والعدل، وكيف يمكن لكتاب واحد في مكتبة أن يقلب عروش الجبابرة.