×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : Heading 1

دولة تمتلك أهرامات أكثر من مصر.. تعرف على مملكة الذهب المنسية وسر الـ 220 هرماً

{title}
22 الإعلامي   -

بينما تتجه أنظار العالم دائماً نحو أهرامات الجيزة العظيمة، يهمس التاريخ بسِرٍّ آخر مدفون تحت رمال الصحراء السودانية؛ هناك حيث لا يوجد ضجيج سياح ولا فلاشات كاميرات، بل صمت مهيب يحكي قصة حضارة كوش التي تحدت الزمان بـ 220 هرماً.

لطالما ارتبطت كلمة "أهرامات" في مخيلة العالم أجمع بصورة خوفو وخفرع ومنقرع وهم يعانقون سماء الجيزة، لكن ماذا لو أخبرتك أن الحقيقة التاريخية تخفي وراءها رقماً مذهلاً سيغير بوصلة تفكيرك؟ نعم، هناك في أعماق الصحراء السودانية، حيث يلفح الهجير وجوه الحجارة الصابرة، ترقد أكبر مجموعة من الأهرامات في العالم بأسره. نحن لا نتحدث عن مجرد أطلال، بل عن 220 هرماً شامخاً يتحدون النسيان، وهو ضعف عدد الأهرامات الموجودة في مصر تقريباً!

في هذا المقال، نكشف الستار عن "مملكة كوش" السودانية، ونعرف لماذا بقيت هذه الكنوز مخفية عن أعين السياحة العالمية، وما الفرق الحقيقي بينها وبين شقيقاتها في مصر.

مملكة كوش: حين حكم "الفراعنة السود" وادي النيل

تبدأ القصة من مملكة كوش العظيمة، تلك القوة الضاربة التي نشأت في بلاد النوبة واستطاعت في فترات من التاريخ أن تبسط سيطرتها ليس فقط على السودان، بل وصلت حتى حكمت مصر بالكامل (الأسرة الخامسة والعشرين). هؤلاء الملوك، الذين عُرفوا تاريخياً بـ "الفراعنة السود"، لم يكونوا مجرد محاربين، بل كانوا عشاقاً للبناء والحضارة.

بنى ملوك كوش أهراماتهم في مناطق مثل "مروي" و"نوري" و"جبل البركل" لتكون مدافن ملكية لأرواحهم. ولكن، لماذا يجهلها الكثيرون؟ يكمن السر في أن هذه الأهرامات بقيت لفترات طويلة بعيدة عن آلة التسويق السياحي العالمي، مما جعلها "كنزاً سرياً" لا يعرفه إلا الباحثون وعشاق المغامرة الحقيقيون.

الحجم مقابل العدد: هل العبرة بالضخامة؟

عندما تضع قدمك في منطقة مروي، ستصدم بمشهد تكرار القمم الهرمية المتجاورة بشكل لا تراه في أي مكان آخر. لكن هناك فرقاً جوهرياً يجب توضيحه بأسلوب علمي؛ فالأهرامات السودانية تمتاز بكونها "رشيقة" وذات زوايا حادة جداً مقارنة بالأهرامات المصرية.

بينما يصل ارتفاع هرم خوفو الأكبر في الجيزة إلى حوالي 138 متراً، تتراوح ارتفاعات الأهرامات في السودان ما بين 6 أمتار إلى 30 متراً فقط. هذا الفرق الشاسع في الحجم هو ما يجعل الانبهار العالمي يميل نحو مصر، فالإنسان بطبعه يميل لتقديس "الضخامة". ومع ذلك، فإن القيمة الجمالية والهندسية لأهرامات السودان تكمن في كثرتها وتراصها الإبداعي الذي يعكس طقوساً دينية وجنائزية فريدة كانت تمزج بين الثقافة النوبية الأصيلة والتأثيرات الفرعونية.

لماذا بقيت أهرامات مروي خارج الأضواء؟

هنا نطرح سؤالاً يتبادر لذهن كل قارئ: إذا كانت السودان تمتلك هذا العدد الضخم من الأهرامات، فلماذا لا نراها في مقدمة المجلات السياحية؟

غياب التسويق الاحترافي: عانت السياحة في السودان لسنوات من ضعف الترويج العالمي والميزانيات المخصصة للتعريف بهذه الآثار.

عامل "الإبهار" البصري: الجمهور العالمي يبحث عن "المعجزات الإنشائية"، وضخامة أهرامات الجيزة تسرق الأضواء دائماً من أي منافس آخر مهما كان عدده كبيراً.

التحديات اللوجستية: الوصول إلى هذه المناطق كان يتطلب في السابق روحاً مغامرة، رغم أن السودان اليوم يفتح ذراعيه لكل من يريد اكتشاف هذا التاريخ المنسي.



إرثٌ في مهب الريح: هل تصمد الأهرامات أمام عواصف الزمان؟

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بأخبار الحرب والنزاعات، تقف أهرامات السودان كشاهد صامت وصامد على تاريخٍ لم تكسره آلاف السنين. اليوم، لا تعد هذه الأهرامات مجرد وجهة سياحية ننتظر زيارتها، بل أصبحت رمزاً للهوية السودانية التي تصارع من أجل البقاء. إن ما تمر به البلاد حالياً يجعل من هذه الآثار "أمانة تاريخية" في أعناق العالم أجمع؛ فهي ليست ملكاً للسودانيين وحدهم، بل هي جزء لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي.

وعلى الرغم من أن الظروف الراهنة قد تحول بيننا وبين الوقوف في حضرة "مروي" أو "نوري"، إلا أن القيمة المعنوية لهذه الأهرامات تزداد بريقاً في قلوبنا. إنها تذكرنا بأن مملكة كوش العظيمة قد مرت بصعاب وحروب عبر العصور، وظلت أهراماتها رشيقة وشامخة تحكي قصة شعب لا يعرف الاستسلام. نحن اليوم لا ندعو فقط للتعرف على تاريخها، بل ندعو لتقدير هذا الإرث العظيم وحمايته في ذاكرتنا الجمعية، بانتظار اليوم الذي يعود فيه السلام ليفتح السودان أبوابه من جديد، لنلمس بأيدينا صدى الملوك الكوشيين الذين بنوا مجداً لا يمحوه غبار المعارك، بل يزيده الصبرُ مهابةً وجلالاً.