×
آخر الأخبار

أعراض التوحد التي تخفى على الكثيرين.. كيف تفهم عالم طفلك الخاص وتكتشف أسرار نبوغه؟

{title}
22 الإعلامي   -

في عالمٍ يقدس "القوالب الجاهزة" ويضع معايير صارمة لما يجب أن يكون عليه الشخص "الطبيعي"، تبرز فئة من البشر ترى العالم بعدسات مختلفة تماماً. إنهم أولئك الذين يقطنون في مساحة واسعة تُعرف بـ "طيف التوحد". لا تتخيل أنك أمام مجرد تعريف طبي جاف، بل نحن بصدد الحديث عن تجربة إنسانية فريدة، تجربة جعلت من أشخاص مثل "آينشتاين" و"نيوتن" يعيدون صياغة قوانين الكون، وفي الوقت ذاته، جعلت أمهاتٍ وأباءً يخوضون معارك يومية صامتة ليفهموا لغة أطفالهم التي لا تشبه لغتنا.

التوحد ليس مرضاً له "كتالوج" موحد، بل هو "طيف" واسع من الألوان؛ فما تراه في طفل قد لا تجده في الآخر. في هذا المقال، نرحل معكم في رحلة بدأت من عام 1933 مع أول حالة تم تشخيصها، لنصل إلى فهم أعمق لهذا العالم الذي يلفه الغموض والإبهار.

البداية من ميسيسيبي: قصة دونالد تريبليت "الحالة رقم 1"

لم يكن العالم يعرف شيئاً عن التوحد حتى ظهر طفل يُدعى "دونالد تريبليت" في ولاية ميسيسيبي. كان دونالد طفلاً استثنائياً؛ يمتلك ذاكرة حديدية وقدرة مذهلة على الحفظ، لكنه في المقابل كان يفضل الانعزال، يكره التلامس الجسدي، ويصاب بنوبات غضب عارمة إذا تغير روتين يومه بمقدار إنش واحد.

في ذلك الوقت، كان الطب يتخبط، ووصفه البعض بـ "الفصام المبكر". لكن الطبيب "ليو كانر" كان له رأي آخر في عام 1943، حين أدرك أن دونالد وعشرة أطفال آخرين يشتركون في نمط واحد: تأخر لغوي، حساسية مفرطة للتغيير، وميل للوحدة. ومن هنا ولد مصطلح "التوحد"، ليكون دونالد هو "الحالة رقم 1" في تاريخ الطب.

أسطورة "الأم الثلاجة".. حين ظُلمت الأمهات باسم العلم

من أظلم المحطات في تاريخ التوحد هي نظرية "الأم الثلاجة" (Refrigerator Mother) التي روج لها "ليو كانر" وآخرون. ساد اعتقاد قاسي بأن التوحد ناتج عن "برود مشاعر الأم" تجاه طفلها، وكأن الأم هي الجانية التي دفعت طفلها للانعزال بجفافها العاطفي!

استمر هذا الظلم لسنوات، حتى جاء مصلحون مثل "برنارد ريملاند" في الستينات، وهو أب لطفل توحدي وطبيب في آن واحد، ليفند هذه الخرافات ويثبت أن التوحد اضطراب "عضوي" مرتبط بتركيبة الدماغ والجهاز العصبي، ولا علاقة له بطريقة التربية. كانت هذه الصرخة العلمية هي "صك البراءة" لملايين الأمهات حول العالم.

ثلاثية "وينج": كيف نعرف أن الطفل "توحدي"؟

رغم أن كل حالة توحد هي تجربة فريدة، إلا أن العالمة "لورنا وين" وضعت ما يُعرف بـ "ثلاثية وينج" التي تجمع السمات المشتركة بين المصابين، وهي:

قصور الخيال: يجد المصاب صعوبة في فهم المجازات أو النكت؛ فالعالم بالنسبة له "حرفي" جداً. إذا قلت له "الوقت يطير"، فقد يبحث عن أجنحة في السماء!

صعوبة التواصل الاجتماعي: مهارات تكوين الصداقات وفهم لغة الجسد وتعبيرات الوجه هي تحدٍ كبير بالنسبة لهم. التواصل البصري المباشر قد يكون مؤلماً أو مربكاً لبعضهم.

تأخر وتطور اللغة: بعض الأطفال يتأخرون في الكلام، وبعضهم يطور لغة معقدة جداً لكنها "روبوتية" أو غير مناسبة للسياق الاجتماعي، وبعضهم يظل "غير لفظي" طوال حياته.

بين العبقرية والعجز: خرافة "رجل المطر" (Rain Man)

ساهمت السينما العالمية، وتحديداً فيلم "رجل المطر" (Rain Man) للنجم داستين هوفمان، في رسم صورة نمطية عن التوحدي بأنه "عبقري خارق" يحفظ الأرقام ويعمل كآلة حاسبة بشرية.

الحقيقة هي أن هناك بالفعل ما يُسمى بـ "المتوحد العبقري" (Autistic Savant)، لكنهم قلة قليلة جداً. التعميم هنا قد يكون ظالماً؛ فمطالبة كل طفل توحدي بأن يكون عبقرياً يضع ضغطاً هائلاً على الأسرة والطفل. التوحدي إنسان، وليس "سوبر هيرو" بالضرورة، وحقه في القبول والتعايش لا ينبع من مهاراته الخارقة، بل من كونه إنساناً يستحق الدعم.

"نيورو دايفرستي": نحن لسنا مرضى.. نحن مختلفون فقط!

في التسعينات، ظهرت حركة ثورية تُدعى "التنوع العصبي" (Neurodiversity). تنظر هذه الحركة للتوحد ليس كمرض يحتاج لـ "علاج" أو "إصلاح"، بل كاختلاف في طريقة عمل الدماغ، تماماً مثلما يوجد شخص أيمن وشخص أعسر.

يقول أحد الناشطين التوحديين بوصف بليغ: "نحن أسماك مياه عذبة، نعيش في محيط من المياه المالحة". المشكلة ليست في "السمكة"، بل في "الماء" الذي لا يناسب طبيعتها. هذا المنظور يدعو المجتمع لتهيئة بيئة صديقة للتوحديين (تقليل الضوضاء، تفهم الصمت، قبول الروتين) بدلاً من إجبارهم على أن يكونوا مثلنا.

هل كان آينشتاين ونيوتن مصابين بالتوحد؟

تشير دراسات حديثة (مثل دراسة "العلماء المنفردون") إلى أن سمات مثل الانعزال التام، والتركيز المفرط على موضوع واحد لسنوات، وصعوبات التواصل، ترجح أن عمالقة مثل "إسحاق نيوتن" و"آلبرت آينشتاين" كانوا يقعون ضمن "طيف التوحد" (تحديداً متلازمة أسبرجر).

تخيل لو أن المجتمع في زمنهم أجبرهم على أن يكونوا "اجتماعيين" و"عاديين"، وأن يقضوا وقتهم في العزومات العائلية والثرثرة اليومية؛ هل كانت البشرية ستعرف قانون الجاذبية أو النسبية؟ أحياناً يكون التوحد هو "الثمن" الذي تدفعه العبقرية للوصول إلى الحقيقة.

صرخة الأهل: من يدعم "الأبطال المجهولين"؟

خلف كل طفل توحدي، هناك أسرة تعيش حالة من "الاستنزاف" الجميل والمؤلم في آن واحد. الرعاية تتطلب وقتاً وجهداً وأحياناً تضحية بمستقبل مهني أو حياة اجتماعية. كثيراً ما يشعر الإخوة الأصحاء بالتقصير أو بالمسؤولية المبكرة تجاه شقيقهم المختلف.

هنا يأتي دور المجتمع والدولة في توفير "الدعم المالي" و"الرعاية النفسية" للأهالي، وليس فقط للطفل. الأسرة القوية تعني طفلاً توحدياً قادراً على الاندماج.

الخاتمة: التواصل بلغة القلوب

في النهاية، التوحد ليس "جداراً"، بل هو "بوابة" لعالم يرى التفاصيل التي نتجاهلها نحن. التعامل مع المصاب بـ "طيف التوحد" يحتاج إلى جسر تواصل يمتد من الطرفين؛ فنحن بحاجة لتعلم "لغتهم" بقدر ما نحاول تعليمهم "لغتنا".

إذا صادفت شخصاً لا ينظر في عينيك، أو يكرر كلمات غريبة، أو يهتم بتفاصيل تقنية مملة لساعات، تذكر دائماً أنه ربما يرى في الكون جمالاً لا تراه أنت. التقبل هو العلاج الأول، والحب هو اللغة التي يفهمها الجميع، حتى أولئك الذين لا يتحدثون.