×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : ديما يوسف المجالي

المجالي تكتب : الضمان الاجتماعي: هل نطق "جهاز الإنذار" قبل فوات الأوان؟

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: ديما يوسف المجالي

في الأردن، غالباً ما تضيع الحقيقة بين لغة الأرقام الجافة في التقارير الحكومية، وبين العواطف المشحونة في الشارع... مشكلتنا الكبرى اليوم ليست في نقص البيانات، بل في عدم أنسنة الأرقام، أي أننا ننشغل بالنسب المئوية وننسى البشر الذين يعيشون خلفها.

الأنسنة ببساطة هي أن ندرك أن العجز المالي ليس مجرد رقم في ميزانية، بل هو قلق أبٍ على مستقبل تعليم أبنائه، وخوف شابٍ يعمل اليوم ولا يعرف إن كان سيجد كرامة التقاعد غداً... فنحن بحاجة لصياغة رواية وطنية قريبة من الناس، رواية تقول للشباب بصدق: "نحن نعدل القانون اليوم لنحمي حقكم أنتم في عام 2050".

الحكاية باختصار إن ما يسميه الخبراء الدراسة الاكتوارية هو في الحقيقة (جهاز إنذار مبكر) لمستقبلنا... لنتخيل الضمان كحصالة كبيرة، هذه الدراسة تقيس هل ما نضعه اليوم سيكفينا بعد سنوات؟ والإنذار اليوم يقول لنا بوضوح: إذا استمرت المعادلة الحالية، سنصل في عام 2038 إلى مرحلة لن تكفي فيها المدخرات لدفع الرواتب،(وهنا لا بد من التوضيح أن عام 2038 ليس رقماً قطعياً، بل هو تقدير مبني على فرضيات الدراسة الاكتوارية الحالية)

قد يتساءل البعض: لماذا لا تكفي سنوات العمل الطويلة؟ الحسبة الرقمية تخبرنا أن ما يدفعه المشترك وشركته طوال 20 عاماً لا يغطي فعلياً سوى 4 سنوات تقريباً من راتبه التقاعدي... التكملة تأتي عادة من "أرباح الاستثمارات" ومن "اشتراكات الشباب الجدد". لكن عندما يخرج 64% من المتقاعدين عبر باب "التقاعد المبكر"، فإنهم يسحبون من الحصالة قبل أوانهم ولفترات أطول بكثير مما ساهموا به، وهذا هو "النزيف" الذي يهدد استقرار الصندوق.

وبصفتي مهتمة بشؤون المشاريع الصغيرة والمتوسطة، أرى وجهاً آخر للمشكلة..ظ عندما نطالب صاحب مشروع صغير باقتطاع يصل إلى 21%، فنحن في الواقع لا نأخذ من فائض ثروته، بل نقتطع من رأس مال تشغيله... هذا الإنسان لا يهرب من الضمان خبثاً، بل لأنه يواجه إجراءات ترخيص معقدة، وضريبة لا تفرق بين منشأة ناشئة وشركة كبرى، وآجار يلتهم نصف دخله... هنا تغيب الأنسنة مرة أخرى؛ فالدولة تطلب منه الالتزام الكامل، لكنها لا تمنحه الأمان التشغيلي الذي يحتاجه لكي ينمو ويستمر..

وهنا يجب أن نؤكد بوضوح، إن الحل المستدام لا يمكن أن يكون باللجوء الدائم إلى جيب المواطن.. الحل لا يكمن في استسهال خيار زيادة نسب الاشتراكات التي ترهق العامل وصاحب العمل معاً، ولا في الاكتفاء بـتأخير سن التقاعد كحل وحيد ومجرد... هذه الحلول التقليدية قد تُرحّل الأزمة سنوات قليلة، لكنها لا تعالج جذورها، بل تزيد من عبء المعيشة وتعمق حالة عدم الثقة..

نحن نحتاج الى صياغة رواية وطنية  تقوم على الشراكة الحقيقية
والحل لا يبدأ بتهديد المنشآت بالمخالفات، بل بصياغة شراكة حقيقية عبر مسارات ثلاثة:
* الاستثمار في القاعدة فبدلاً من ركون المليارات في ودائع بنكية أو عقارات جامدة، لماذا لا يخصص صندوق الاستثمار نافذة تمويلية بفوائد ميسرة حصرياً للمشاريع الصغيرة الملتزمة بالشمول التأميني؟
* تسهيل العبور أي يجب أن يكون اشتراك الضمان هو تذكرة دخول لتسهيلات ملموسة في الترخيص والضريبة، خاصة في المحافظات التي تحتاج ميزات تفضيلية لتصمد مشاريعها.
* دعم البدايات فلماذا لا يساهم صندوق الاستثمار بجزء من اشتراكات الضمان عن المشاريع الناشئة في أول عامين؟ هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يضمن وجود مشتركين دائمين في المستقبل.

خلاصة القول كلنا متفقون بأن إصلاح الضمان ليس تغولاً على حقوقنا، 
بل هو حماية لحقوق ابنائنا  في أن يجدوا وطنًا  يمنحهم كرامة التقاعد..لكن هذا الإصلاح يجب أن يسير بمسارين متوازيين: ضبط النزف في التقاعد المبكر، و تثوير الاستثمار ليكون الضمان محركاً للاقتصاد، وليس مجرد حصالة تنتظر الفرج.. والمواطن مستعد ليسند الضمان، لكنه يريد أن يرى الضمان مستثمرًا في عقول الشباب والمشاريع التنموية في المحافظات، لا في الحجر فقط...
والسؤال الذي يجب أن نواجهه بصدق: هل نملك شجاعة الإصلاح الآن، أم نترك أبناءنا يدفعون ثمن التأجيل؟