مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يستعد الجميع للصيام والروحانيات، لكن هناك "ضيفاً ثقيلاً" يخشاه الجميع: الكيلوغرامات الزائدة. المفارقة العجيبة هي أن رمضان هو "الصيام المتقطع" الأقدم والأشهر في التاريخ، والعلم يقول إن الصيام يجب أن يخسسنا، فلماذا نخرج من الشهر الكريم ببنطلونات ضيقة وكروش لم تكن موجودة؟
هل العيب في "القطايف والسمبوسة"؟ أم أن هناك أسراراً فسيولوجية ونفسية تجعل أجسادنا تخوننا في رمضان؟
حكايات من تاريخ الصيام: من أبطال الأولمبياد إلى "فتاة ويلز"
قبل أن نتحدث عن كروش العزومات، دعونا نتأمل في قوتين متناقضتين للصيام:
قوة "مايكل فيلبس": أسطورة السباحة في أولمبياد 2008 كان يستهلك 12,000 سعرة حرارية يومياً (تخيل!). كان يأكل 4,000 سعرة في كل وجبة ليتمكن من السباحة 5 ساعات. إذا كنت تأكل مثل "فيلبس" في رمضان ولا تعوم 80 كم في الأسبوع، فأنت ببساطة تبني "مفاعلاً نووياً" من الدهون تحت جلدك.
مأساة "سارة جيكوم": فتاة من القرن التاسع عشر توقفت عن الأكل تماماً ظناً من الناس أنها تملك قدرات خارقة، وانتهت حياتها بمأساة بسبب الجوع.
بين هذا الإفراط وذاك التفريط، يأتي صيامنا الديني المتوازن.. فماذا يقول العلم عنه؟
هل الصيام يخسس فعلاً؟ (ما تقوله الدراسات)
في عام 2017، نُشرت دراسات راقبت 35 تجربة عن رمضان. النتيجة كانت أن 60% من الصائمين خسروا وزناً (بمعدل كيلو وربع تقريباً). والأجمل أن العلامات الحيوية تحسنت؛ انخفض السكر، ارتفع الكولسترول النافع (HDL)، وتحسنت صحة القلب.
ولكن، هناك "فخ" صغير: أغلب هذه الأوزان المفقودة عادت للزيادة في الأسبوعين التاليين لرمضان (موسم العيد والكعك). المشكلة إذن ليست في الصيام، بل في "ثقافة الطعام" التي تحيط به.
لماذا تفشل المعادلة في منازلنا؟
المعادلة بسيطة في العلم: وزنك = الاستهلاك - الحرق. لكن في رمضان، ندخل في حالة من "الانتقام الغذائي". إليك الأسباب الحقيقية وراء زيادة الوزن:
1. صواريخ السعرات الحرارية (الخشاف والحلويات)
هل فكرت يوماً في سعرات "الخشاف"؟ تمر، فواكه مجففة، مياه بسكر.. أنت تبدأ إفطارك بـ 500-600 سعرة في دقيقتين! هذا يمثل 25% من احتياجك اليومي قبل أن تلمس الطبق الرئيسي. ثم ننتقل إلى الكنافة باللوتس، والقطايف بالنوتيلا، و"القنبلة" (بسبوسة، قشطة، آيس كريم، كنافة).. هذه ليست حلويات، هذه "جريمة دبلوماسية" بحق معدتك! قطعة تشيز كيك واحدة قد تصل لـ 1,500 سعرة، وهو تقريباً كل ما يحتاجه جسدك في يوم كامل.
2. فخ "الأكل عالي التصنيع" والطهي العربي
تجارب المعاهد الوطنية للصحة بأمريكا أثبتت أن الأشخاص الذين يأكلون أطعمة "مطبوخة زيادة" أو مصنعة يستهلكون 500 سعرة إضافية يومياً دون أن يشعروا. مطبخنا العربي (المحاشي، الكوسا بالبشاميل، والمنسف) مصمم ليكون "حِرِشاً" وشهياً لدرجة تجعلك تمضغ أقل وتأكل أسرع، ولا تشعر بالشبع إلا عندما تصرخ معدتك "توقف.. لقد امتلأت!".
3. هرمون الجوع "الذكي" والمخ الخادع
هرمون "الجريلين" هو هرمون الجوع، وهو هرمون "حافظ مش فاهم". هو يعتاد على مواعيد أكلك. إذا تجاهلته صباحاً في رمضان، سيتوقف عن الصراخ، لكن مخك سيبدأ بتخيل الكنافة والقطايف كنوع من المكافأة على الصيام. هذا يدفعك لطلب السكر بشراهة عند الإفطار.
4. العطش ليس مياهاً فقط!
نحن نشرب الماء بجنون عند السحور كأننا "جمال"، لكننا ننسى أن العطش مرتبط بالصوديوم والبوتاسيوم. الأكلات السريعة والبيتزا والسمبوسة في السحور ترفع الصوديوم وتجعلك "تلهث" عطشاً طوال النهار. الحل ليس في زيادة الماء، بل في زيادة البوتاسيوم (موز، مشمش، يوسفي) الذي يقلل الشعور بالعطش.
اضطراب "الساعة الحيوية" وقلة النوم
في رمضان، ينقلب ليلنا نهاراً. قلة النوم (أقل من 7 ساعات) مرتبطة علمياً بزيادة الوزن. ليس فقط لأنك تبقى مستيقظاً وتأكل أكثر، بل لأن الهرمونات التي تنظم الشهية تضطرب. الأكل في ساعات متأخرة من الليل يقلل من جودة النوم، مما يدخلك في حلقة مفرغة من التعب والشراهة في اليوم التالي.
خارطة طريق للخروج من رمضان برؤوس مرفوعة (وكروش ممسوحة):
ابدأ بذكاء: اكسر صيامك بماء وتمرة، ثم صلِّ. هذا يعطي مخك إشارة بأن "الأكل وصل"، فيقلل الشراهة.
احذر من "الخشاف": هو عدو الرشاقة الأول تحت غطاء الفاكهة.
قاعدة البوتاسيوم: اجعل الموز أو المشمش رفيق سحورك بدلاً من الموالح.
النوم ثم النوم: حاول الحصول على قيلولة نهارية أو النوم مبكراً قدر الإمكان.
لا تنتقم من الميزان: تذكر أن الصيام هو فرصة للجسم ليرتاح ويدخل في حالة "الكيتوز" (حرق الدهون)، فلا تفسد عليه الرحلة بكيلو من الكنافة.
الخلاصة: ذكاء "فطري" أم تخمة رمضانية؟
رمضان هو اختبار لعلاقتنا مع الطعام. الصيام المتقطع يكسر "تكيف" الجسم ويجبره على حرق مخزونه، لكن كل هذا يتبخر عندما نحول مائدة الإفطار إلى "مهرجان" للسعرات. الصحة هي الأساس، والفستان أو البنطلون سيأتيان كنتيجة طبيعية لاحترامنا لأجسادنا.






