بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في حياة الإنسان محطاتٌ لا تُقاس بطولها الزمني، بل بعمق أثرها في الروح. فليس كل من مرّ بنا كان عابراً ، وليس كل لقاءٍ صفحةً تُطوى بلا صدى. هناك أشخاص يشبهون الفصول الأربعة؛ يأتون محمّلين بألوانٍ مختلفة، يتركون في القلب دفئاً حيناً، ووخزاً حيناً آخر، ثم يمضون تاركين خلفهم أثراً لا يُرى بالعين، لكنه يُعيد تشكيل الداخل بصمتٍ عميق. هؤلاء لا يُختصر حضورهم في الذكريات، بل يمتدّون ليصبحوا جزءاً من وعينا، ومن الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة والذات والآخرين.
إن الإنسان، في رحلته الطويلة، لا يتعلم فقط من اللحظات الجميلة؛ فالجمال وحده لا يصنع النضج، كما أن الألم وحده لا يهدم الروح. بل إن التوازن العجيب بين الفرح والخيبة هو الذي يصنع الحكمة. فبعض العلاقات تشبه المطر الهادئ؛ تمنح الأرض خصوبتها وتغادر دون ضجيج، وبعضها يشبه العاصفة؛ تقتلع ما كان هشّاً في داخلنا، لكنها في الوقت ذاته تكشف جذورنا الحقيقية. وبين المطر والعاصفة يولد إنسانٌ أكثر وعياً، أكثر قدرةً على التمييز، وأكثر استعداداً لمواصلة الطريق بثبات.
ليس الأثر الإيجابي وحده ما يجعل الذكرى جميلة، بل القدرة على تحويل التجربة بكل تناقضاتها إلى طاقةٍ للنمو. فالذكريات التي تدفعنا إلى الابتسام تمنح القلب طمأنينة، أما تلك التي تحمل شيئاً من الحزن، فهي الوقود الخفي للإنجاز. إن الألم، حين يُفهم لا حين يُقاوَم، يتحول إلى معلّمٍ صارم لكنه صادق؛ يعلّم الإنسان كيف ينهض دون انتظار يدٍ تمتدّ إليه، وكيف يبني ذاته على أساسٍ لا تهزّه الخيبات.
ولهذا، فإن بعض الأشخاص لا يكونون نهاية قصة، بل بداية وعيٍ جديد. إنهم يشبهون المرآة التي نرى فيها أنفسنا بوضوحٍ للمرة الأولى؛ نكتشف قوتنا وضعفنا، اندفاعنا وحكمتنا، أحلامنا التي كانت مؤجلة خلف ضجيج العاطفة أو سذاجة الثقة. ومع مرور الزمن، يدرك الإنسان أن القيمة الحقيقية لأي تجربة لا تكمن في بقائها، بل في ما تركته من فهمٍ أعمق للحياة.
ومن أعظم النعم التي قد يمتلكها الإنسان نعمة النسيان؛ لا بوصفه هروباً من الماضي، بل باعتباره رحمةً إلهية تحفظ التوازن النفسي. فلو بقيت كل التفاصيل حيّة في الذاكرة بالحدة ذاتها، لتحولت الحياة إلى عبءٍ ثقيل. النسيان هنا ليس خيانة للذكرى، بل إعادة ترتيبٍ إنسانية للروح، تشبه سقوط أوراق الشجر في الخريف كي تتمكن الأغصان من استقبال ربيعٍ جديد. إنه القدرة على الاحتفاظ بالدرس، والتخلّي عن الألم الزائد.
وسرعة التخطّي ليست قسوةً ولا لا مبالاة، بل علامة نضجٍ داخلي؛ فالنهر لا يتوقف عند صخرةٍ اعترضت مجراه، بل يلتفّ حولها ويواصل رحلته نحو البحر. كذلك الإنسان القوي لا ينكر ما عاشه، لكنه يرفض أن يسكن الماضي داخله إلى الأبد. فهو يدرك أن الحياة لا تنتظر المترددين، وأن الزمن لا يمنح فرصةً ثانية لمن يصرّ على الوقوف في محطةٍ انتهى قطارها.
إن التجارب الإنسانية، مهما كانت متناقضة، تمنح صاحبها ثروةً خفية لا تُشترى: ثروة الفهم. فكل مرحلة عاشها الإنسان مهما حملت من فرحٍ أو ألم هي لبنة في بناء شخصيته. وما يبدو في لحظةٍ ما جرحاً، قد يتحول بعد سنوات إلى نقطة التحول الأهم في مسار الحياة. وكثيراً ما يكتشف الإنسان أن الدروس التي تعلّمها بصمتٍ كانت أثمن من الكلمات التي قيلت له صراحة.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة الأشخاص بمدة بقائهم، بل بعمق الأثر الذي تركوه. فهناك من يبقى سنواتٍ طويلة دون أن يغيّر شيئاً، وهناك من يمرّ مروراً قصيراً لكنه يزرع فكرةً أو قوةً أو وعياً يرافق الإنسان مدى العمر. وهكذا تصبح بعض الذكريات مثل نجومٍ بعيدة؛ لا نصل إليها، لكنها تضيء طريقنا كلما اشتدّ الظلام.
الحياة، في جوهرها، ليست سلسلة لقاءاتٍ دائمة، بل مدرسة من المراحل المتعاقبة. وكل مرحلة مهما انتهت تؤدي دورها في تشكيل الإنسان الذي نصبحه لاحقاً. لذلك، فإن الحكمة ليست في التمسك بما مضى، ولا في إنكاره، بل في شكره بصمت، ثم المضي قدماً بقلبٍ أخفّ، وروحٍ أكثر اتساعاً، وإيمانٍ أعمق بأن كل ما حدث كان جزءاً من الرحلة نحو نسخةٍ أقوى وأوعى من الذات.
فبعض الأشخاص لا يبقون معنا… لكن آثارهم تبقى، لا لتؤلمنا، بل لتذكرنا أننا تعلّمنا، ونضجنا، وواصلنا السير.






