بقلم : مجد الدلقموني
أمس، وأثناء تجوالي في السوق، صادفت شابًا أعرفه، هو ابن إحدى الصديقات. اقتربت منه وسألته ببساطة: كيف ماما؟ وهو سؤال اعتيادي في ثقافتنا الاجتماعية، نحمله غالبًا بدافع الود والاطمئنان.
لكن رد فعل الشاب كان مفاجئًا. ارتبك للحظة، ونظر حوله سريعًا إلى أصدقائه، ثم قال بلهجة حاول أن يجعلها عادية: مين ماما؟ وكأنه يتعمد التهرب من الإجابة أو من الاعتراف بالسؤال. بدا واضحًا أنه يحاول تجاوز الموقف بسرعة، وكأن ذكر كلمة ماما أمام أصدقائه قد يضعه في موقف محرج.
خلال ثوانٍ قليلة تحولت الجملة البسيطة إلى مادة للسخرية بين المجموعة. بدأت التعليقات والضحكات، وبعض اللمزات التي تحمل ذلك المزاح القاسي الذي يختبئ خلفه التنمر أحيانًا. لم يكن الشاب وحده من وقع تحت ضغط الموقف، بل شعرت أنا أيضًا أنني أصبحت جزءًا من تلك اللحظة المحرجة.
ففي بعض البيئات الاجتماعية، ما زالت كلمة ماما تُفسَّر على أنها نوع من “الدلع” أو الطفولية، بينما يُفضّل البعض استخدام كلمات أكثر رسمية مثل والدتك أو أمك. وبين هذه الحساسيات اللغوية الصغيرة، قد يجد الشخص نفسه فجأة عرضة للتعليقات أو السخرية لمجرد اختيار كلمة يراها طبيعية وبسيطة.
ما حدث في تلك اللحظة كشف لي شيئًا أعمق من مجرد موقف عابر في السوق. لقد أظهر كيف يمكن أن تتحول كلمة عادية إلى مدخل للتنمر، خاصة في سن المراهقة حيث تكون حساسية الشاب تجاه نظرة أصدقائه عالية جدًا.
في هذه المرحلة العمرية، يعيش المراهق حالة مستمرة من البحث عن القبول داخل المجموعة. يصبح رأي الأصدقاء معيارًا مهمًا لتقييم الذات، وأي موقف قد يُفسَّر على أنه ضعف أو إحراج قد يدفع الشاب إلى محاولة إنكاره أو التهرب منه، كما حدث في تلك اللحظة عندما حاول الشاب تجاوز السؤال بدل الإجابة عنه.
المشكلة أن هذا النوع من “المزاح الجماعي” قد لا يكون بريئًا دائمًا. فالتنمر في صورته الخفيفة يبدأ غالبًا بتعليق أو ضحكة أو مبالغة في السخرية، لكنه مع التكرار قد يترك أثرًا نفسيًا حقيقيًا.
تشير العديد من الدراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن التعرض المستمر للتنمر في سن المراهقة قد يترك آثارًا طويلة الأمد على الشخصية. بعض الشباب يختار الانسحاب والانطواء، بينما يحاول آخرون تعويض الإحراج أو الشعور بالضعف عبر العدوانية أو العنف، كوسيلة لإثبات القوة أمام الآخرين.
المجتمع غالبًا لا يلتفت إلى هذه التفاصيل الصغيرة. لكنه في الحقيقة يصنع بها ملامح شخصية الشباب. كلمة عابرة، ضحكة ساخرة، أو موقف إحراج أمام الأصدقاء… كلها قد تتحول إلى لحظة تُخزن في الذاكرة وتؤثر في طريقة تعامل الشاب مع العالم من حوله.
ولعل ما يدعونا للتفكير هو أن احترام الآخرين لا يبدأ من القضايا الكبرى فقط، بل من طريقة حديثنا اليومية وكلماتنا البسيطة. فالكلمة التي قد تبدو عادية بالنسبة لشخص، قد تتحول في سياق اجتماعي معين إلى أداة ضغط أو تنمر.
لذلك، فإن بناء مجتمع أكثر توازنًا يبدأ من تعزيز ثقافة الاحترام بين الشباب، والتأكيد على أن القوة لا تُقاس بقدرة الإنسان على إحراج الآخرين أو السخرية منهم، بل بقدرته على احترامهم وتقدير اختلافهم.
ففي النهاية، قد تكشف لحظة عابرة في السوق، بدأت بسؤال بسيط: كيف ماما؟، عن ظاهرة اجتماعية أعمق بكثير مما نتصور.






