×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتورة خديجة سليمان الزغاميم

الزغاميم تكتب: جمعية سبيل الطفيلة الخيرية … حين يتحوّل العطاء إلى لغةٍ للقلوب

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : الدكتورة خديجة سليمان الزغاميم

في شهر شهر رمضان، حين تهدأ الضوضاء قليلًا لتعلو أصوات القلوب، تتجلّى أبهى صور التكافل الإنساني؛ فهناك، في لحظة الإفطار، حين تتلاقى الأيدي بالدعاء والقلوب بالرجاء، يصبح العطاء أكثر من فعلٍ إنساني… يصبح رسالة حياة.

وفي محافظة الطفيلة، تنسج جمعية سبيل الطفيلة الخيرية حكايةً من حكايات الخير التي لا تُكتب بالحبر، بل تُروى بأفعال الرحمة، حيث تتحول موائد الإفطار إلى جسورٍ خفية تصل بين القلوب، وتصبح الوجبة البسيطة رسالة دفء تصل إلى بيتٍ ينتظر الفرج.

إن ما تقوم به الجمعية ليس مجرد توزيع وجبات غذائية، بل هو إحياءٌ لقيمة إنسانية عميقة، مفادها أن المجتمع حين يتكاتف، يصبح أكثر قدرة على حماية أفراده من قسوة الحاجة. فالوجبات التي يتبرع بها أهل الخير تصل إلى الأسر العفيفة والفقراء والأيتام والمرضى وكبار السن في مختلف مناطق المحافظة وقصباتها، لتؤكد أن الخير ما يزال يسكن تفاصيل الحياة اليومية.

وقد عبّر القرآن الكريم عن عظمة هذا العطاء بقوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾،
فالعطاء في جوهره يشبه البذرة؛ قد تبدو صغيرة في يد صاحبها، لكنها تنمو في حياة الآخرين حدائق من الأمل.

وتستند الجمعية في عملها إلى شبكة واسعة من التعاون المجتمعي، حيث تتكامل جهودها مع مؤسسات محلية وجمعيات خيرية ومدارس ومتطوعين، في مشهدٍ يعكس جمال التضامن حين يتحول إلى فعلٍ منظمٍ ومستدام. فالتطوع هنا ليس مجرد مشاركة عابرة، بل التزام أخلاقي يعبّر عن ضمير المجتمع.

ويقود هذه المسيرة الإنسانية رئيس الجمعية المهندس محمود الجرابعة، إلى جانب نائب رئيس الجمعية الأستاذ جهاد الهواملة، وأمين الصندوق الأستاذ جهاد العوران، الذين يعملون مع فريق من المتطوعين بروحٍ من الإخلاص والعطاء لتنظيم موائد الرحمن وتنسيق جهود الداعمين والمتبرعين، حتى تصل المساعدة إلى مستحقيها بكرامة واحترام.

ولعلّ موائد الرحمن التي تقيمها الجمعية تمثل الصورة الأجمل لهذا العمل؛ فهي ليست طاولات طعام فحسب، بل مساحات إنسانية يلتقي فيها الناس حول معنى الرحمة. هنا يجلس اليتيم إلى جوار المتطوع، ويصافح الدعاءُ الأملَ في عيون المحتاجين، وكأن هذه الموائد تعيد تذكير المجتمع بأن الخير هو القاسم المشترك الذي يجمع الجميع.

وقد قال رسول الله ﷺ: «مَن فطَّر صائمًا كان له مثل أجره»، وفي هذا الحديث إشارة بليغة إلى أن لحظة الإفطار قد تكون بابًا واسعًا للأجر، وأن وجبةً بسيطة قد تتحول في ميزان السماء إلى عملٍ عظيم.

كما تسعى الجمعية إلى تسهيل المشاركة في هذا العمل الخيري عبر مبادرة «دينارك»، التي تتيح للراغبين في دعم مسيرة الخير التبرع بسهولة من خلال التحويل عبر البنك الإسلامي أو عبر خدمات الدفع الإلكتروني مثل «كليك». وهي مبادرة تؤكد أن العطاء لا يُقاس بكثرته، بل بصدق النية التي تقف خلفه؛ فدينار واحد قد يفتح باب رحمة في بيتٍ ينتظر الفرج.

وقد وصف القرآن الكريم أهل الإحسان بقوله تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾،
وهو وصفٌ يختصر جوهر العمل الخيري: أن يُعطي الإنسان وهو يحب العطاء، لا طلبًا لثناءٍ أو شهرة، بل إيمانًا بأن الرحمة التي يمنحها للآخرين تعود إليه أضعافًا.

إن تجربة جمعية سبيل الطفيلة الخيرية تؤكد أن العمل التطوعي ليس فعلًا موسميًا، بل ثقافة إنسانية عميقة تعيد بناء جسور الثقة بين أفراد المجتمع. فحين يمدّ الناس أيديهم لبعضهم البعض، يصبح المجتمع أكثر دفئًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات.

وفي نهاية المطاف، يبقى شهر رمضان فرصةً سنوية لتذكير الإنسان بجوهره النبيل؛ بأن الحياة ليست في ما نملك، بل في ما نعطي. وأن العطاء، حين يخرج من القلب، لا يطعم الجائع فحسب… بل يزرع في العالم نورًا صغيرًا، يكبر كلما شارك الناس في إشعاله.