×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : م. ابراهيم العساف

العساف يكتب : الأردن بين نار الإقليم وصلابة الجبهة الداخلية

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : م. ابراهيم العساف - رئيس فرع عمان/ حزب الاصلاح

في لحظات التاريخ الصعبة، لا تُقاس قوة الدول بما تملك من موارد فقط، بل بما تملكه من وعي وطني ووحدة داخلية. وهذا ما أثبته الأردن مراراً، وهو يواجه عواصف الإقليم المتلاحقة دون أن يفقد توازنه أو استقراره.
فالمنطقة تعيش منذ سنوات على إيقاع صراعات مفتوحة، لكن ما يجري اليوم يحمل أبعاداً أكثر خطورة، مع تصاعد التوترات المرتبطة بسياسات إيران في المنطقة، ومحاولاتها توسيع نفوذها عبر أذرع عسكرية وصراعات بالوكالة. وفي خضم هذه الفوضى الإقليمية، لم يكن الأردن بعيداً عن دائرة الاستهداف أو الضغط، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
إن الحديث عن صواريخ ومسيرات تعبر أجواء المنطقة، أو محاولات جرّ الأردن إلى معادلات صراع لا تخدم مصالحه، ليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار. فهذه التطورات تضع الدولة الأردنية أمام تحديات أمنية وسياسية حساسة، وتفرض عليها موازنة دقيقة بين حماية أمنها الوطني والحفاظ على استقرارها الداخلي.
لكن ما يجب إدراكه بوضوح هو أن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف ليس التهديد الخارجي بحد ذاته، بل أن يتحول هذا التهديد إلى سبب للانقسام الداخلي. فالتاريخ يخبرنا أن الدول لا تُكسر من الخارج بسهولة، بل عندما تتآكل جبهتها الداخلية وتتراجع الثقة بين المجتمع والدولة.
من هنا، فإن الوحدة الوطنية في الأردن ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل هي خط الدفاع الأول عن الدولة. فالأردنيون، على اختلاف منابتهم ومواقعهم، يدركون أن استقرار وطنهم هو الضمانة الوحيدة لأمنهم ومستقبل أبنائهم، وأن أي محاولة للمساس بهذا الاستقرار لن تخدم سوى أجندات خارجية تبحث عن توسيع الفوضى في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، فإن قوة الجبهة الداخلية لا تعني تجاهل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن. فتعزيز الوحدة الوطنية يتطلب أيضاً سياسات عادلة، وإدارة رشيدة للاقتصاد، ومحاربة حقيقية للفساد، وفتح المجال أمام مشاركة سياسية أوسع. فالمواطن الذي يشعر بالعدالة والانصاف يكون أكثر استعداداً للدفاع عن دولته في وجه الأخطار.
لقد أثبت الأردن في محطات كثيرة أنه قادر على عبور العواصف الإقليمية بحكمة سياسية وتماسك داخلي. واليوم، ومع تصاعد التوترات في المنطقة واحتمالات اتساع رقعة الصراع، يصبح الحفاظ على هذه المعادلة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالأردن ليس دولة تبحث عن الصراع، لكنه أيضاً ليس دولة تقبل أن تكون ساحة لصراعات الآخرين. وبين هذين الحدين تقف الدولة الأردنية، مستندة إلى مؤسسة عسكرية وأمنية محترفة، وإلى شعب يدرك أن وحدته الوطنية هي السلاح الأقوى في مواجهة كل التحديات.
وفي النهاية، قد تتغير موازين القوى في المنطقة، وقد تتبدل التحالفات والصراعات، لكن الحقيقة الثابتة ستبقى أن الأردن ظلّ عبر تاريخه دولة تحميها حكمة قيادتها وتماسك شعبها. وعندما تتعرض المنطقة للاهتزاز، تبقى الجبهة الداخلية الأردنية هي الحصن الذي لا يمكن كسره.