بقلم: د. تهاني رفعت بشارات
في الحياة رجالٌ لا يمرّون كعابري سبيل، بل يتركون وراءهم ظلالاً وارفة من الأثر الطيب، وكلماتٍ تنبض بالحكمة، وسيرةً تترسخ في الوجدان لأنّها كُتبت بالعلم، وخُتمت بالأخلاق، ورويت بالعمل الصادق. وهناك شخصياتٌ كلّما اقتربنا من مسيرتها ازددنا يقيناً بأنّ القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بعدد المناصب التي شغلها فحسب، بل بمقدار ما منحه للناس من نورٍ ومعرفةٍ وإلهام. ومن بين هذه القامات الفلسطينية المضيئة يبرز اسم الدكتور الفاضل فواز عقل، بوصفه واحداً من الوجوه الأكاديمية والوطنية التي جمعت بين الفكر والممارسة، وبين الرسالة التربوية والمسؤولية العامة، وبين رفعة الموقع ونبل الأثر.
ينحدر الدكتور فواز عقل من عائلةٍ تُقدّس العلم كما تُقدّس الأرض، وتعشق الزيتون بما يمثّله من رسوخٍ وبركةٍ وانتماء، فكأنّه خرج من رحم بيئةٍ آمنت بأن الإنسان لا يكتمل إلا إذا جمع بين المعرفة والجذور، بين الكتاب والتراب، وبين الفكر والوفاء للمكان. ولعلّ هذا الامتداد العميق بين العلم والأرض هو ما يفسّر تلك الشخصية المتوازنة التي ظلّت وفيّةً لثلاثيةٍ نادرة الجمال والدلالة: العمل الأكاديمي، والعمل الخيري والتطوعي، وزراعة الأرض؛ وهي ثلاثية تختصر فلسفة حياة كاملة، وترسم ملامح إنسان يرى في العلم رسالة، وفي العطاء واجباً، وفي الأرض هويةً لا تنفصل عن الوجود.
ولأن القامات الأكاديمية الحقيقية لا تُصنع في يومٍ واحد، فقد جاءت مسيرة الدكتور فواز عقل ممتدةً وغنيةً بالعطاء، حافلةً بالمحطات التي تؤكد حضوره الراسخ في الحقلين الرسمي والأكاديمي. فهو سياسي وأكاديمي فلسطيني شغل مواقع مهمة في مسيرته المهنية والوطنية، وكان من الأسماء التي تركت حضوراً واضحاً في المؤسسات الأكاديمية والرسمية على حد سواء. فقد شغل منصب أمين عام مجلس الوزراء الفلسطيني برتبة وزير خلال حكومة الدكتور رامي الحمد الله الأولى عام 2013، ثم واصل حمل هذه المسؤولية في الحكومة الثانية خلال عام 2014، وهو موقع يعكس حجم الثقة التي نالها، ويكشف عن كفاءة إدارية ووطنية عالية. كما تولّى عضوية عدد من اللجان الحكومية الرسمية، وعُيّن مستشاراً لشؤون مجلس الوزراء في الأمانة العامة برتبة وزير عام 2014 لمدة ستة أشهر، في مسيرة تؤكد أنّه كان جزءاً أصيلاً من بنية العمل الحكومي الرصين، لا حضوراً عابراً في المشهد.
وفي الميدان الأكاديمي، لمع اسم الدكتور فواز عقل بوصفه معلّماً ومفكراً تربوياً وأكاديمياً مشغولاً بأسئلة التعليم والتعلّم والمستقبل. وقد عمل في مؤسسات أكاديمية متعددة، وكان من بينها عمله مدرّساً في جامعة الاستقلال، كما حصل على جائزة التفرغ العلمي للتدريس في جامعة فلسطين التقنية – طولكرم، وهو تقدير يشي بمكانته العلمية، ويعبّر عن قيمة عطائه التربوي والمعرفي. ولم يكن حضوره الجامعي حضوراً تقليدياً، بل كان حضور المربّي الذي يرى في الجامعة فضاءً لصناعة الإنسان قبل الشهادة، وبناء الوعي قبل الوظيفة.
وفي جامعة النجاح الوطنية، كان للدكتور فواز عقل حضورٌ واضح وفاعل في الدفاع عن قضايا العاملين والجامعة والعمل النقابي، إذ شغل منصب رئيس نقابة العاملين وموظفي جامعة النجاح الوطنية في الفترة ما بين 2005–2007، وكان كذلك عضواً في اتحاد نقابات الجامعات الفلسطينية ما بين 2005–2008. كما كان عضواً في الهيئة الإدارية لنقابة العاملين في جامعة النجاح عام 1984، وهو ما يكشف عن جذور مبكرة في العمل النقابي والمؤسسي، وعن إيمان عميق بأن الجامعة العريقة لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالعدالة واحترام الإنسان وصون كرامة العاملين فيها. كما شغل منصب أمين سر جمعية أصدقاء جامعة النجاح الوطنية، في امتدادٍ يؤكد عمق علاقته بالمؤسسة الأكاديمية وحرصه على خدمة رسالتها من مواقع متعددة.
ولم يتوقف عطاؤه عند حدود المؤسسة الجامعية، بل امتد إلى فضاءات العمل الأهلي والتطوعي والخيري، فكان عضواً في الهيئة الإدارية لمؤسسة الأفق، وعضواً في الهيئة الإدارية لجمعية الأيدي الصغيرة بين 2000–2004، وعضواً في لجنة العلوم الإنسانية في وزارة التربية والتعليم في رام الله بين 2010–2013، وعضواً في لجنة دراسة النظام المقترح لمجلس التعليم العالي بقرار من وزير التربية والتعليم في يناير 2014، وعضواً في الهيئة الإدارية لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بين 2016–2017. كما شغل عضوية مجلس إدارة جمعية ملتقى سفراء فلسطين، وعضوية مجلس إدارة الاتحاد العام للجمعيات الخيرية، وهي مواقع تعبّر بوضوح عن شخصيةٍ تؤمن بأن المثقف الحق لا ينغلق على ذاته، بل يخرج بعلمه إلى الناس، ويحوّل معرفته إلى فعلٍ اجتماعيّ وإنسانيّ وخيريّ حي.
أما في مجال الإشراف الأكاديمي والبحث العلمي، فقد كان للدكتور فواز عقل أثرٌ بالغ في صناعة أجيال من الباحثين والدارسين، إذ أشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك مناقشاً وممتحناً داخلياً وخارجياً لعدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه، وهو ما يعكس الثقة العلمية الرفيعة التي حظي بها، والمكانة التي تبوأها في الوسط الأكاديمي الفلسطيني. فالمشرف الحقيقي لا يكتفي بتوجيه الرسائل، بل يسهم في تشكيل العقول، وصقل الرؤى، ومرافقة الباحثين في رحلتهم الشاقة نحو المعرفة، وهذا ما يبدو جلياً في أثره الممتد بين طلبته وزملائه.
وفي فضاء الفكر والتأليف، أغنى الدكتور فواز عقل المكتبة الفلسطينية والعربية بعدد من المؤلفات والإسهامات التربوية والفكرية التي تعكس انشغاله العميق بقضايا التعليم والمناهج وطرائق التدريس، ونظرته المتجددة إلى المعرفة بوصفها طاقة تحرر وبناء. ومن كتبه: "إضاءات تربوية: الطريق إلى المستقبل"، و"التعليم والتعلّم بين لا أريكم إلا ما أرى وما لهم لا ينطقون"، و"ديراستيا: بلد العلم والزيتون"، إلى جانب ما ذُكر من مؤلفاته المهمة مثل: "بلدة دير استيا"، و"التعليم بين قدح الشرارة وملء الوعاء" عام 2013، و"خلجات تربوية"عام 2015. كما أسهم مع آخرين في تأليف كتب علمية وتربوية، منها "المساعد للبحث العلمي" عام 1985، و"التعلّم النشط" عام 2006، و"التعلّم التعاوني" عام 2008. وله أيضاً مقالات أسبوعية عن التعليم والتعلّم منشورة في جريدة القدس وشبكة فلسطين للأخبار، تناول فيها قضايا التعليم والمناهج والطلبة والمعلم والمستقبل، بلغةٍ تربوية واعية، ورؤيةٍ تتجاوز التلقين إلى صناعة الفكر.
ولأنّ الفكر التربوي الحقيقي لا يُقاس فقط بما يُكتب في الكتب، بل بما يترسّخ في الذاكرة من عبارات تُوقظ العقل وتفتح نوافذ البصيرة، فقد عُرف الدكتور فواز عقل بكلماتٍ يردّدها دائماً لطلابه، كلماتٍ تصلح أن تكون مشروعاً تربوياً قائماً بذاته، منها: "لا تنم بنفس العقل الذي استيقظتَ فيه"، و"من لا يتعلّم شيئاً جديداً كل يوم يزداد جهلاً يوماً بعد يوم"، و"من لا يتجدّد يتبدّد"، و"اقرأ أكثر ترَ أبعد"، و"اقرأ، فإنك لا تدري أيُّ كتابٍ سينبت لك عقلاً جديداً"، و"مستقبل الأمة يكون باستعدادها لكل زمان بما يناسبه"، و"إذا علّمنا طلاب اليوم بأساليب الأمس، فإننا نسرق منهم مستقبلهم". وهذه العبارات ليست مجرد حكمٍ عابرة، بل خلاصة رؤيةٍ تربوية تؤمن بأن التعليم الحق هو الذي يوقظ السؤال، ويجدّد العقل، ويؤهل الإنسان لعصره، لا الذي يحبسه في قوالب الماضي.
غير أنّ الحديث عن السيرة والمواقع واللجان والكتب، على اتساعه، لا يكفي وحده لرسم صورة الإنسان. فبعض الشخصيات لا تكتمل ملامحها إلا حين نتحدث عن أثرها الإنساني، عن تواضعها، عن رهافة حضورها، عن قدرتها على أن تمنح الآخرين كلمةً تشبه الضوء. وأذكر جيداً أول مرة رأيت فيها الدكتور فواز عقل في جامعة النجاح الوطنية، حين كنت ممتحنة خارجية لرسالة ماجستير تحت إشراف الدكتور الفاضل خالد دويكات. هناك التقيت به، وكان حضوره لافتاً بما يحمله من تواضعٍ هادئ وطاقةٍ إيجابية جميلة. ومنذ اللحظة الأولى شعرت أنني أمام شخصية تعرف كيف تمنح الآخرين دعماً معنوياً صادقاً بكلمة طيبة رفيعة؛ فقد أثنى على نشاطاتي الأكاديمية، وكانت كلماته مشجعة ومعبّرة، تنبع من قلبٍ يؤمن بقيمة العلم، ويقدّر الجهد، ويعرف كيف يزرع في النفس أملاً جميلاً.
ولعل أجمل ما في بعض الناس أنهم لا يحتاجون إلى مواقف طويلة كي يكشفوا معدنهم؛ تكفي كلمة صادقة، أو نظرة احترام، أو موقف بسيط، حتى ندرك أننا أمام إنسان كبير بأخلاقه قبل مناصبه. وهذا تماماً ما لمسته في الدكتور فواز عقل؛ تواضع العالم، وهدوء المفكر، ورقيّ المسؤول، وإنسانية المربّي الذي لم تُفقده المواقع الرسمية بساطته، ولم تُطفئ فيه المناصب حرارة القلب ونبل الروح.
إن القامات الأكاديمية الحقيقية ليست فقط تلك التي تكتب الكتب وتشغل المناصب وتحصد التكريمات، بل تلك التي تعرف كيف تترك أثراً جميلاً في طلابها وزملائها وكل من يلتقي بها. والدكتور فواز عقل واحد من هؤلاء الذين تستحق أسماؤهم أن تُذكر بكل إجلال، لأنه نموذج للأكاديمي الوطني الذي جمع بين الفكر والممارسة، وبين التربية والخدمة العامة، وبين العمل المؤسسي والعطاء الأهلي، وبين نور العلم وخصب الأرض وبركة الزيتون.
حقاً، إنما الإنسان أثر، وبعض الناس يتركون أثرهم بالكلمة الطيبة التي لا تُقدّر بكنوز الأرض، وبالحضور النبيل الذي يظلّ عالقاً في الذاكرة بوصفه درساً في الأخلاق قبل أن يكون درساً في العلم، وبالسيرة التي تمضي في الناس كما يمضي عبق الزيتون في تراب الوطن.
كل التقدير والاحترام للدكتور الفاضل فواز عقل،
قامةٍ علميةٍ وأكاديميةٍ ووطنيةٍ نفتخر بها،
وشخصيةٍ تؤكد أن الأثر الجميل هو أجمل ما يتركه الإنسان وراءه.






