بقلم : هيا المساعيد
الحمدُ للهِ الذي تجلّت رحمته في خلقه، فجعل في كل زاويةٍ من هذا الكون أثرًا من لطفه، واختصّ الأمَّ بنصيبٍ عظيمٍ من هذه الرحمة، حتى صارت وكأنها مرآةٌ تعكس معنى العطاء الإلهي في أصفى صوره.
الحمدُ للهِ الذي أودع في قلبها سرًّا لا يُعلَّم، ونورًا لا ينطفئ، وصبرًا لو وُزّع على القلوب لكفاها، وجعل حبّها غريزةً تتجاوز العقل، وتتخطّى حدود التعب، وتبقى ثابتةً حيث يتبدّل كل شيء.
والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا محمد، الذي لم يُعطِ الأمَّ حقّها بكلماتٍ عابرة، بل كرّرها ثلاثًا، وكأنما يُعلّمنا أن في الأم عمقًا لا يُختصر، ومقامًا لا يُدرك، وسرًّا من أسرار الله في الأرض لا يُشبهه شيء.
الأم هي الكائن الوحيد الذي يملك قلبان:
قلبٌ يموت ويختفي عند صرخات الولادة،فلم تكن تلك الصرخات سوى احتضار للقلب القديم ليفرّغ كل طموحاتها ومشاعرها واهتماماتها،
والقلبٌ الثاني يولد مع أول صرخة لطفلها، قلب ينبض بالعطاء والحب الذي لا يعرف حدودًا.
كيف لفتاة…
كان لها أحلام تخصّها، واهتمامات تدور حول ذاتها،
تحب، تخاف، تنتظر، وتظن أن هذا هو عمق الشعور كله…
لكن حين تُصبح أمًا لأول مرة… حين تتحول من ابنةٍ إلى أم،
يحدث التحوّل الذي لا يُرى…
تتراجع “أنا” خطوةً إلى الخلف،
ويكبر “هو” حتى يملأ كل المساحة.
يخرج قلبها الاول من صدرها ليعيش في جسدٍ صغيرها،باحلام وطموحات اخرى
فتصبح سلامته طمأنينتها، ووجعه ارتجاف روحها، وابتسامته حياةً كاملة.
تدرك حينها أن كل حبٍ سابق كان تمهيدًا،
وأن هذا هو النبض الحقيقي للقلب،
أن العطاء ليس فعلًا… بل فناء،
وأن التضحية ليست خيارًا… بل قدرٌ جميل اختاره الله لها.
الأم لا تُحب كما نُحب،هي لا تنتظر مقابلًا، ولا تحفظ حسابًا،
هي تُعطي لأن العطاء فيها فطرة،
وتغفر لأن الرحمة فيها طبيعة،
وتصبر لأن في داخلها يقينًا لا يُهزم.
هي التي تُؤجل نفسها بلا إعلان،
وتنسحب من أولوياتها بهدوء،
حتى نصبح نحن الأول… والأخير… وكل ما بينهما،وكأنها خُلقت لتكون لنا… قبل أن تكون لنفسها.
فيا رب إن كان للنجاة باب، فاجعله دعاءها،واجعلنا نُدرك قيمتها قبل فوات الأوان.






