بقلم: د. أسامة حمدان الرقب
في لحظات التاريخ الفارقة، حين تختلط الأوراق الجيوسياسية وتشتد عواصف الأزمات الإقليمية، تبرز المواقف التي لا تقبل الرمادية. واليوم، ومن قلب عمان الأبية، ومن رحاب المسجد الحسيني العريق الذي شهد على ولادة الدولة والكرامة، تنطلق حنجرة الأردن الواحد لتصيغ فجراً جديداً من الثبات، وتؤكد للقاصي والداني أن هذا الوطن ليس مجرد جغرافيا عابرة، بل هو عقيدة قومية وخط دفاع أول عن ضمير الأمة.
إن ما أقدم عليه الكنيست الإسرائيلي وحكومة الاحتلال المتطرفة من إقرار لقانون "إعدام الأسرى"، ليس مجرد انحراف تشريعي أو نزوة سياسية، بل هو "اغتيالٌ معلن لروح العدالة الدولية" ونعيٌ رسمي لكل المواثيق التي تعارفت عليها البشرية. إننا أمام "خبث سياسي" بامتياز، يحاول فيه الاحتلال استغلال انشغال العالم بالحروب الكبرى والتحولات الجيوسياسية المشتعلة، ليمرر مشاريع تصفية الوجود الفلسطيني عبر "مشانق مقننة".
ولكن، وهنا تبرز دقة الموقف ومنطق الدولة، فإن هؤلاء الأبطال خلف القضبان ليسوا "مجرمين" كما يحاول الاحتلال تسويقهم، بل هم في صلب "اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة" يمثلون "أسرى حرب" ومناضلين من أجل الحرية. إن القانون الدولي الذي يضرب به الاحتلال عرض الحائط اليوم، يمنح هؤلاء الأبطال الحصانة والكرامة، ويجعل من المساس بحياتهم "جريمة حرب" مكتملة الأركان تضع قادة هذا الكيان ومشرعيه تحت طائلة المساءلة الجنائية الدولية التي لن تسقط بالتقادم.
وفي خضم هذا المشهد المهيب، يقف الأردن، قيادةً وشعباً، كالبنيان المرصوص. نحن هنا لا نتضامن فحسب، بل نجسد وحدة الدم والمصير. إن بوصلتنا التي لن تحيد هي القدس، وعهدنا هو العهد الهاشمي الأمين؛ حيث يقف جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، بصوته الواثق في المحافل الدولية، سداً منيعاً في وجه تصفية القضية، وحارساً أميناً على المقدسات والوصاية التاريخية التي هي أمانة في أعناقنا جميعاً. إن موقف جلالته الصارم هو الذي يمنحنا العزم لنقول للعالم: "الأردن صمام أمان، والعبث بحقوق الشعب الفلسطيني هو عبث باستقرار المنطقة برمتها".
وانطلاقاً من واجبنا الوطني في "حزب الإصلاح"، نعلن أننا لن نكتفي بميادين الإدانة والشجب. إننا اليوم، وبالتنسيق مع القوى الحية والبرلمانيين والحقوقيين العرب، سندعم الانتقال من مرحلة التنديد إلى مرحلة "القرار" لايقاف هذا العبث القانوني في المحافل الدولية، وستكون وقفتنا صرخة في وجه كل من يظن أن القوة تلغي الحق. إن دورنا الحزبي والسياسي يملي علينا أن نكون في طليعة المدافعين عن ثوابت الدولة الأردنية التي ترى في فلسطين عمقها الاستراتيجي ووجعها اليومي.
إننا ننحي إجلالاً لدرع الوطن، الجيش العربي المصطفوي، "النشامى" الذين سطروا بدمائهم ملاحم الشرف، ونؤكد أن هذا الوطن المحروس بعيون لا تنام، سيبقى السياج العصي على الانكسار. إن "مسيرة العز" اليوم هي رسالة غضب، لكنها غضبة الحق التي تستند إلى شرعية التاريخ وجدارة المستقبل.
ختاماً، ستبقى "نار الكرامة" متقدة في صدورنا، وسيبقى الأردن القلعة الصامدة التي تتحطم عليها كل المؤامرات الصهيونية. لن تنحني لنا راية، ولن يلين لنا عزم، وسنظل نهتف بيقين المؤمنين: "الله، الوطن، الملك".






