في الوقت الذي يرفع فيه الأردن راية استقلاله الثمانين، لا تبدو المناسبة مجرد محطة لاستذكار عقود من البناء، بل منصة انطلاق حقيقية نحو دولة الإنتاج والمشروعات الكبرى والمستقبل الاقتصادي الذي يتجسد في رؤية التحديث الاقتصادي التي أرادها جلالة الملك عبد الله الثاني أن تكون "عابرة للحكومات".
فالمملكة التي فتحت قبل عدة سنوات كتاب مئويتها الثانية، تختار أن تعزز صياغة استقلالها الوطني بلغة الأرقام والمشروعات الكبرى، مجسدة ذلك في "رؤية التحديث الاقتصادي (2022-2033)" كخارطة طريق عابرة للتحديات والتوترات الإقليمية.
هذه الرؤية التي ولدت من رحم توجيهات جلالة الملك عبد الله الثاني ومطلع مئوية الدولة الثانية، جاءت لترجمة فلسفة ملكية واضحة: تحويل التحديات إلى فرص، والعبور بالأردنيين إلى المستقبل المشرق وآفاق الريادة والابتكار والاعتماد على الذات والإنتاج ومواجهة تحديات البطالة والفقر بعزم لا يلين.
ويأتي احتفال الأردن بعيد استقلاله الـ (80) ليجسد مسيرة وطن استطاع خلال ثمانية عقود أن يؤسس دولة حديثة قائمة على البناء والإنجاز والتطوير، مستنداً إلى رؤية قيادته الهاشمية التي واصلت العمل على تعزيز منعة الدولة وتحديثها سياسياً واقتصادياً وإدارياً، رغم مختلف التحديات الإقليمية والعالمية.
وبرزت رؤية التحديث الاقتصادي بوصفها أحد أبرز المشاريع الوطنية التي تعكس تطلعات الأردن للمستقبل وتؤسس لمرحلة اقتصادية جديدة تستكمل مسيرة الإنجاز التي بدأت منذ الاستقلال، عبر بناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة، قادر على توفير فرص العمل وتحسين جودة الحياة للأردنيين.
وجاءت رؤية التحديث الاقتصادي، بتوجيهات ملكية سامية، انطلاقاً من حرص جلالته على تحويل التحديات الاقتصادية إلى فرص للنمو والتطوير، خصوصاً في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية ومتطلبات تمكين الشباب وخلق فرص العمل.
واستمدت الرؤية مرتكزاتها من رسالة جلالة الملك للأردنيين بمناسبة عيد ميلاده الـ60 مطلع عام 2022، التي أكد فيها أهمية بناء مستقبل اقتصادي مزدهر يليق بالأردنيين ويعزز مكانة المملكة.
وقال جلالته في الرسالة: "نريده مستقبلاً مشرقاً نعزز فيه أمننا واستقرارنا ونمضي خلاله في مسيرة البناء إلى آفاق أوسع من التميز والإنجاز والإبداع".
وأضاف جلالته: "نريده مســتقبلاً نستعيد فيه صدارتنا في التعليم، وننهض فيـه باقتصادنـا، وتزداد فيـه قدرات قطاعنـا العام وفاعليته، ويزدهر فيه قطاعنا الخاص، فتزداد الفرص على مستوى متكافئ، ونواجه الفقر والبطالة بكل عزم، ونحد من عـدم المساواة، وينطلق شـبابنا في آفـاق الريادة والابتكار".
وانطلقت أعمال إعداد الرؤية من خلال ورشة العمل الاقتصادية الوطنية التي عقدت في الديوان الملكي الهاشمي، بمشاركة نحو 500 خبير وممثل عن القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والبرلمان ووسائل الإعلام والشركاء التنمويين، في مشهد عكس روح الشراكة الوطنية التي رافقت مسيرة الدولة الأردنية منذ الاستقلال.
وأثمرت الورشة عن إطلاق رؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2022-2033 برعاية ملكية، مستندة إلى ثلاثة محاور رئيسة تتمثل في النمو الاقتصادي المتسارع، وتحسين جودة الحياة، والاستدامة، استحداث نحو مليون فرصة عمل، في إطار جهود الدولة لمعالجة تحديات البطالة وتمكين الشباب اقتصادياً.
وترتكز رؤية التحديث الاقتصادي على ثمانية محركات للنمو تغطي 35 قطاعاً اقتصادياً رئيساً وفرعياً، وتتضمن مئات المبادرات والمشاريع الهادفة إلى تحفيز الاقتصاد الوطني، وزيادة الاستثمارات، ورفع تنافسية القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما ينسجم مع طموحات الأردن بمئويته الثانية.
وتنفذ رؤية التحديث الاقتصادي ضمن ثلاث مراحل زمنية تشمل المرحلة الأولى 2022-2025، والثانية 2026-2029، والثالثة 2030-2033، بكلفة رأسمالية تقديرية تصل إلى 41 مليار دينار، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو التخطيط الاقتصادي طويل الأمد.
وسيتم تنفيذ الرؤية مــن خلال ثمانية محــركات لنمـو الاقتصاد، تغطــي 35 مـن القطاعـات الرئيسـة والفرعيـة، وتتضمـن أكثـر مـن 366 مبـادرة، جـرى وضـع وصـف تفصيلي لكل منهـا، وتحديد الأهداف ومؤشـرات قيـاس الأداء والجهات المسـؤولة عـن التنفيـذ ضمـن إطـار زمنـي متسلسـل ومرحلـي.
واستندت رؤية التحديث الاقتصادي إلى محركات عدة، هي: الأردن وجـهـة عـالمية (25 مبادرة موزعة على قطاعين)، والخدمــات المستقبلية (85 مبادرة موزعة على 8 قطاعات)، والصناعات عالية القيمة (104 مبادرات موزعة على 9 قطاعات)، والريـادة والأبـداع (85 مبــادرة موزعــة على 8 قطاعات).
كما استندت إلى الموارد المـستدامة (18 مبــادرة موزعــة على قطـاعين)، والاستثمار (16 مبادرة موزعة على قطـاع)، وبيئة مستدامة (20 مبادرة موزعة على 3 قطاعات)، ونوعية الحياة (13 مبادرة موزعة على قطاعين).
ومع استمرار تنفيذ الرؤية، أطلقت الحكومة البرنامج التنفيذي الثاني للأعوام 2026-2029، الذي يركز على تسريع تنفيذ المشروعات الكبرى وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتحفيز الاستثمار إلى جانب تطوير قطاعات الصناعة والسياحة والتكنولوجيا والطاقة الخضراء والخدمات اللوجستية.
ويعكس البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي استمرار نهج التحديث والتطوير الذي انتهجه الأردن منذ الاستقلال، عبر التركيز على التنمية المستدامة، وتحسين بيئة الأعمال، وتوسيع المشاريع التنموية في المحافظات، بما يسهم في تعزيز النمو الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
80 عاماً من عمر استقلال الدولة الذي صنعته القيادة الهاشمية الحكيمة وعزيمة أبناء الوطن، تثبت مسيرة الإنجازات التي حققها الأردن، أن الاستقلال الحقيقي ليس مجرد حدث تاريخي ناله الوطن، بل هو عملية بناء مستمرة، وسيادة اقتصادية تصنعها سواعد أبنائه لرسم غدٍ أكثر منعة وازدهاراً.
و يواصل الأردن في عيد الاستقلال بقيادته الهاشمية مسيرته نحو المستقبل، مستنداً إلى إرثٍ من الإنجاز والبناء ورؤية وطنية تسعى إلى ترسيخ مكانة المملكة كدولة حديثة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية الشاملة للأجيال المقبلة.
--(بترا)






