×
آخر الأخبار

احمد عواد يكتب : ثمانون عاماً من الاستقلال ... من بناء الدولة إلى صناعة المستقبل

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: المهندس أحمد نضال عواد

ثمانون عاماً من الاستقلال ليست رقماً في ذاكرة الوطن، بل مسؤولية تتجدد على عاتق كل جيل؛ ويصنع مستقبلها أولئك الذين يحولون الانتماء إلى إنجاز، فالانتماء الحقيقي لا يُقاس بعدد الشعارات التي نرددها، ولا بحجم الكلمات التي نكتبها، بل يُقاس بمقدار ما نقدمه لهذا الوطن من عمل وإبداع وإنتاج، وبقدرتنا على تحويل التحديات إلى فرص، والطموحات إلى مشاريع، والأفكار إلى إنجازات ملموسة.

حين يكون الاستقلال مشروعاً للمستقبل، ثمانون عاماً، وخلال هذه العقود واجه الوطن تحديات سياسية واقتصادية وإقليمية معقدة، لكنه استطاع أن يحافظ على استقراره وهويته ومؤسساته بفضل حكمة القيادة الهاشمية ووعي الأردنيين وإيمانهم بوطنهم.

لكن العالم اليوم لم يعد كما كان. فالتغيرات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة تفرض على الدول مفهوماً جديداً للاستقلال؛ استقلال القدرة والمعرفة والإنتاج. ولم يعد كافياً أن نمتلك حدوداً آمنة ومؤسسات مستقرة فقط، بل أصبح لزاماً علينا أن نمتلك اقتصاداً منتجاً، وتعليماً عصرياً، وشباباً قادراً على المنافسة في سوق عالمي مفتوح.

فالاستقلال في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بالسيادة السياسية، بل بقدرة الدول على بناء الإنسان، وتمكين الشباب، وصناعة المعرفة، والتحول من الاستهلاك إلى الإنتاج.

خلال مشاركتي في البرنامج الإقليمي المتخصص بالثورة الصناعية الرابعة وإدارة الابتكار، والذي عُقد في مؤسّسة التدريب المهني بالعاصمة عمان بالتعاون مع الجانب السنغافوري، أدركت بوضوح أن العالم لا ينتظر المترددين، وأن الدول التي تستثمر في المهارات والتكنولوجيا اليوم ستكون هي الأكثر تأثيراً واستقراراً غداً.

المشاركون الذين اجتمعوا من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا لم يكونوا يناقشون ترفاً فكرياً، بل كانوا يتحدثون عن مستقبل الاقتصاد، والتعليم، وسوق العمل، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول إلى أداة للنمو والتمكين وتحسين جودة الحياة.

وهناك كانت الرسالة الأهم: التكنولوجيا ليست رفاهية للدول المتقدمة فقط، بل فرصة تاريخية للدول الطموحة. ومقدار تقدم الدول في المستقبل لن يُقاس بحجم مواردها الطبيعية فقط، بل بمقدار استثمارها في الإنسان والمعرفة والابتكار.

ما كشفه تقرير “وظائف المستقبل 2025” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يجب أن يُقرأ بعين المسؤولية الوطنية. فالعالم يتجه نحو خلق 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، مقابل اختفاء ملايين الوظائف التقليدية نتيجة كل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتغيرات الاقتصادية المتسارعة.

الوظائف القادمة ستكون في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الخضراء، والتعليم الرقمي، والرعاية الصحية الذكية. أما المهارات المطلوبة فسترتكز على التفكير التحليلي، والإبداع، والمرونة، والقدرة على التعلم المستمر والتعامل مع التكنولوجيا بكفاءة.

وأخطر ما قد نواجهه ليس نقص الموارد، بل التأخر في إعداد شبابنا لهذه التحولات الكبرى. فالدول التي تستثمر اليوم في المهارات الرقمية والتعليم والتدريب المهني والتقني وريادة الأعمال، ستكون هي الدول الأكثر قدرة على حماية اقتصادها وتعزيز استقرارها في المستقبل.

لقد أصبح من الضروري أن تتحول ريادة الأعمال المهنية إلى أولوية وطنية ضمن سياسات الشباب والتشغيل والتنمية الاقتصادية. فالمعادلة تغيّرت، ولم يعد النجاح مرتبطاً فقط بالحصول على وظيفة تقليدية، بل بالقدرة على تحويل المهارة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

الشاب الأردني يمتلك الذكاء والطموح والإبداع، لكنه يحتاج إلى بيئة حاضنة، وتدريب حديث، وفرص عادلة، ومنصات رقمية تفتح له أبواب السوق المحلي والعالمي. والشابة الأردنية التي تمتلك مهارة أو فكرة مبتكرة يجب أن تجد من يدعمها لتتحول إلى مشروع منتج يخلق فرص العمل ويعزز الاقتصاد الوطني.

ريادة الأعمال المهنية تعني أن يصبح الشاب في الزرقاء أو الطفيلة أو معان أو المفرق أو اربد أو في أي محافظة أو قرية قادراً على تقديم خدماته للعالم من خلال التكنولوجيا، وأن تتحول المهارات التقنية والحرفية إلى مشاريع إنتاجية مستدامة، وأن تصبح مراكز الشباب والجامعات والمؤسسات التعليمية حاضنات فعلية للإبداع والابتكار لا مجرد هياكل إدارية تقليدية وأن تعمل معاً بالمزيد من المرونة والتكاملية.

لقد أثبتت التجربة السنغافورية، كما أثبتت تجارب عالمية عديدة، أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الموارد القابلة للنضوب، بل في الإنسان القادر على التعلم والتطوير والابتكار.

ولكي يتحول الاستقلال من مناسبة وطنية إلى مشروع نهضة مستدامة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب العمل على مسارات واضحة ومتكاملة نحو الاعتماد على الذات، ولهذا العديد من المحاور المتكاملة أذكر منها في هذا المقال؛ مواصلة تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني وربطه مباشرة باحتياجات سوق العمل المحلي والعالمي. إضافة إلى توسيع برامج التدريب الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في جميع المحافظات، بما يضمن عدالة الوصول إلى الفرص، وتعميم هذه التدريبات والمعرفة ضمن أنشطة لامنهجية في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات ومراكز الشباب ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها.

كـذلك لا بد من التوسع في دعم ريادة الأعمال المهنية وتمويل المشاريع الشبابية الإنتاجية، خاصة في المحافظات والأطراف. و بناء منصات وطنية للتشبيك بين أصحاب الأفكار ورواد الأعمال والمستثمرين والخبراء، ورسيخ ثقافة الإنتاج والابتكار والعمل، وتعزيز مفهوم الاعتماد على المهارة والمعرفة باعتبارهما أساس التنمية الحديثة.

نحن لسنا شعباً ينتظر الفرص، فالأردنيون كانوا دائماً قادرين على النجاح رغم محدودية الموارد وصعوبة الظروف. والأردني الذي بنى المؤسسات، ونجح في مختلف دول العالم، قادر اليوم أيضاً على قيادة اقتصاد المعرفة.

في كل قرية أردنية مبدع/ـة ينتظر الفرصة، وفي كل محافظة شاب/ـة يمتلك فكرة قادرة على النجاح، وفي كل بيت قصة كفاح تستحق أن تتحول إلى قصة إنجاز وطنية. ولذلك فإن مسؤوليتنا الجماعية اليوم هي أن نفتح الأبواب أمام الشباب، وأن نمنحهم الأدوات التي تمكنهم من صناعة مستقبلهم بأنفسهم.

فالأردن ليس بلداً مستهلكاً ينتظر ما ينتجه الآخرون، بل وطن قادر على أن يكون منتجاً للمعرفة والتكنولوجيا والابتكار إذا أحسنّا الاستثمار في الإنسان الأردني.

في عيد الاستقلال الثمانين، نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف الانتماء باعتباره مسؤولية يومية تُترجم إلى عمل وإخلاص وإنتاج وإنجاز. فالأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالعقول والسواعد والإرادة والقدرة على صناعة الأمل.

الولاء الحقيقي لا يُقاس بما نقوله عن الوطن، بل بما نضيفه إليه. وكل فرصة نخلقها لشبابنا، وكل مهارة نطورها، وكل مشروع ننجزه، هو خطوة جديدة في مسيرة الأردن نحو مستقبل أكثر قوة واستقراراً وازدهاراً.

اليوم تشرفنا بإرسال برقية تهنئة بالاستقلال 80 وتجديد العهد والولاء للقيادة الهاشمية للديوان الملكي الهاشمي العامر ضمت 767 شخصية أردنية وعربية، أكدنا فيها على تجديد العهد والولاء للقيادة الهاشمية الحكيمة، والالتفاف خلف مواقف الدولة الأردنية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني تجاه مختلف القضايا، والاعتزاز بالدور الوطني والإنساني الذي يقوم به الأردن إقليمياً ودولياً. وأهمية تعزيز دور الشباب في مسيرة التحديث والتنمية، وتمكينهم بالمهارات والفرص وريادة الأعمال، إلى جانب ترسيخ قيم الوحدة الوطنية والسلم والتماسك المجتمعي، ودعمنا جميعاً لمؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، للحفاظ على أمن الوطن واستقراره ومواصلة مسيرة البناء والإنجاز، وفي كل مرة نؤكد على أنّ النجمة السباعية تستحق منّا جميعاً الأفضل دائماً، ونسأل اللّه أن تكون الأيام القادمة كلها خير وازدهار لنا وللأمة وللإنسانية جمعاء، وكلّ عامٍ وأنتم بخير.