×
آخر الأخبار

الدريني يكتب : عندما تختلط الثقة بالمحاباة: أين تنتهي العلاقة وتبدأ العدالة؟

الدريني يكتب : عندما تختلط الثقة بالمحاباة: أين تنتهي العلاقة وتبدأ العدالة؟
22 الإعلامي   -

بقلم: عمر الدريني

ليست كل علاقة شخصية داخل العمل محاباة، كما أن كل قرار لا يعجب الموظف ليس ظلمًا.

هذه حقيقة يجب أن نقولها أولًا حتى لا يتحول الحديث عن الشخصنة إلى اتهام سهل لكل مسؤول يختار شخصًا يعرفه.

فالعمل بطبيعته يقوم على الثقة.
المسؤول يحتاج إلى موظف يعرف قدرته.
والموظف يحتاج إلى مدير يثق به.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقة من وسيلة لإنجاز العمل إلى معيار دائم لتوزيع الفرص.

عندها تتغير الأشياء بهدوء.

موظف معين يصبح حاضرًا في كل لجنة.

وفي كل دورة.
وفي كل مهمة.
وفي كل مناسبة.
ومع الوقت يصبح أكثر خبرة.

ثم يصبح أكثر خبرة سببًا جديدًا لاختياره.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة قد لا يكون أحد قد خطط لها، لكنها تستمر لأنها مريحة للجميع.

إلا للموظف الذي يقف خارجها.
هذا الموظف قد يكون صاحب كفاءة حقيقية، لكنه لم يحصل على الفرصة التي تسمح بإظهارها.

وهنا تكمن واحدة من أكثر المشكلات دقة في الإدارة:

هل نقيس الموظف بما فعله، أم بما أُتيح له أن يفعله؟

فقد يكون شخص ما أقل خبرة لأن الفرص لم تصل إليه، وليس لأنه أقل قدرة.

وقد يكون آخر أكثر خبرة لأن الفرص ظلت تذهب إليه.

لهذا فإن المقارنة بينهما ليست دائمًا عادلة.

وتظهر المشكلة بوضوح في الترشيحات والتكليفات.

موظف يعرف النظام جيدًا، ويعمل منذ سنوات، لكن اسمه لا يظهر إلا عندما تكون هناك مشكلة.

بينما يظهر اسم موظف آخر في كل فرصة تقريبًا.
ليس بالضرورة لأن الأول أقل كفاءة.

ربما لأنه لا يعرف كيف يقدّم نفسه.
وربما لأنه لا يجلس طويلًا مع المسؤول.
وربما لأنه يؤمن، ببساطة، أن العمل الجيد يتحدث عن صاحبه.

لكن العمل لا يتحدث دائمًا بصوت مرتفع.

وهنا يأتي دور الإدارة.
أن تبحث عن الإنجاز حتى عندما لا يملك صاحبه مهارة تسويقه.
أن تسأل عن النتائج.
أن تراجع الأداء.
أن تعطي فرصًا جديدة.
أن تسمح لموظف لم يُختبر سابقًا بأن يخوض التجربة.

فالقرار الإداري العادل لا يعني أن نضمن لكل شخص النتيجة التي يريدها.

بل أن نضمن أن النتيجة لا تُحسم مسبقًا بسبب اسم الشخص.

وهنا نصل إلى سؤال أكبر:

ماذا يحدث للمؤسسة عندما يقتنع موظفوها أن العلاقة أهم من الكفاءة؟

يبدأ الموظفون بتغيير سلوكهم.
يصبح الوصول إلى المسؤول هدفًا.
وتصبح المجاملة استثمارًا.
ويصبح الصمت المهني أقل قيمة من الحضور الاجتماعي.

ثم نكتشف بعد سنوات أن المؤسسة لم تعد تختار أفضل ما لديها، وإنما أصبحت تختار أكثر ما تعرفه.

وهذه مشكلة خطيرة.
لأن المؤسسة التي لا تكتشف الكفاءات الجديدة تتحول تدريجيًا إلى مؤسسة تعتمد على الوجوه نفسها، حتى لو تغيرت الظروف.

لذلك، فإن محاربة الشخصنة لا تبدأ بمعاقبة أحد.

تبدأ بتصميم قرارات تجعل المعايير أقوى من العلاقات.

معايير واضحة.
تقييم قابل للقياس.
فرص متداورة.
ومساحة حقيقية للموظف الهادئ كي يقول: «دعوني أجرب».

فربما كان خلف ذلك الهدوء مشروع قيادي لم يُكتشف بعد.

وفي النهاية، ليس السؤال:
«هل تعرف صاحب القرار؟»

السؤال الذي يجب أن يبقى هو:
ماذا تستطيع أن تقدم للمؤسسة إذا حصلت على الفرصة؟

حين يصبح هذا السؤال هو الأهم، تتغير بيئة العمل.

ويعود الموظف إلى مكتبه وهو يعرف أن مستقبله المهني ليس مرهونًا بمن يعرف، بل بما يستطيع أن ينجز.

وهنا فقط تتحول المنافسة من سباق على القرب إلى سباق على الكفاءة.

وهذا هو السباق الذي تستحقه المؤسسات.