×
آخر الأخبار

الدريني يكتب : الأردن الذي يقرأ لا يحتاج إلى ذاكرة مستعارة

الدريني يكتب : الأردن الذي يقرأ لا يحتاج إلى ذاكرة مستعارة
22 الإعلامي   -

بقلم : عمر الدريني

هناك أشياء كثيرة يمكن أن نحفظها من الآخرين: صورهم، قصصهم، أفكارهم، وحتى إجاباتهم الجاهزة عن أسئلتنا.

لكن الوطن الذي يريد أن يصنع مستقبله لا يستطيع أن يعيش طويلًا بذاكرة مستعارة.

إنه يحتاج إلى إنسان يقرأ، لا ليحفظ فقط، بل ليعرف من أين جاءت الفكرة، ولماذا قيلت، وهل ما زالت صالحة، وماذا يمكن أن يضيف إليها.

من هنا تبدو القراءة شأنًا وطنيًا يتجاوز حدود الثقافة بمعناها الضيق.

حين اختير التاسع والعشرون من أيلول يومًا وطنيًا للقراءة في الأردن، كان الهدف المعلن تشجيع القراءة وتعزيزها وجعلها عادة يومية، بما ينسجم مع بناء مجتمع معرفي أكثر وعيًا، لكن المجتمع المعرفي لا يبنى بالكتب وحدها؛ يبنى بعقول تعرف كيف تستخدم ما تقرأ.

نحن لا نحتاج إلى مواطن يعرف عشرات العناوين إذا كان عاجزًا عن التمييز بين المعلومة والشائعة. ولا نحتاج إلى طالب يحفظ النصوص إذا لم يستطع مناقشتها. ولا يكفي أن نعلّم الطفل القراءة إذا لم نعلّمه أن يسأل: من قال؟ ولماذا؟ وما الدليل؟

في هذا المعنى، تصبح القراءة إحدى أدوات حماية المجتمع من التسرع.

القارئ لا يصدق كل ما يقرأ، ولا يرفض كل ما يختلف معه. إنه يتوقف، ويفحص، ويقارن، ثم يقرر.

وهذا بالضبط ما تحتاجه المجتمعات في زمن تدفق المعلومات.

وقد جاءت الاستراتيجية الوطنية للقراءة «نحو أردن قارئ» في سياق هذا الاهتمام، فيما تواصل المؤسسات الثقافية والتعليمية مبادراتها لتعزيز الفعل القرائي، كما أعلن هذا العام عن النسخة السابعة من ماراثون القراءة تحت شعار «الأردن يقرأ».

لكن القراءة الوطنية لا تعني أن نقرأ جميعًا الكتب نفسها.

على العكس؛ المجتمع القارئ هو الذي تتعدد فيه الكتب والأسئلة والاهتمامات، مع وجود قدرة مشتركة على الحوار.

قد يقرأ أحدنا التاريخ، وآخر الأدب، وثالث العلوم، ورابع الاقتصاد، وخامس تجربة إنسانية بعيدة عنه، المهم أن يصبح الاختلاف في المعرفة فرصة للفهم لا سببًا للعزلة.

وهنا يأتي دور المدرسة، فالمدرسة ليست فقط المكان الذي يتعلم فيه الطفل كيف يقرأ، بل المكان الذي يتعلم فيه لماذا يقرأ، الفرق بين السؤالين كبير. الأول مهارة، والثاني وعي.

وحين تدخل القراءة إلى المدرسة بوصفها تجربة اختيار وحوار واكتشاف، فإنها تستطيع أن تتجاوز حدود الحصة، وحين تخرج من المدرسة إلى البيت والشارع والمكتبة العامة، تصبح جزءًا من الثقافة اليومية.

نحن بحاجة إلى جيل لا يبحث دائمًا عن شخص يفكر نيابة عنه.

جيل يستطيع أن يقرأ الوثيقة، ويفهم الخبر، ويقارن الروايات، ويبحث عن المصدر، ويكتب رأيه بلغته الخاصة.

هذا الجيل لا يولد فجأة، إنه يبدأ من صفحة.
وقد يبدأ من مكتبة صغيرة في مدرسة بعيدة، أو من كتاب استعارَه طالب من صديقه، أو من معلم قال لطفل: «أعتقد أن هذا الكتاب يناسبك».

لذلك فإن الحديث عن القراءة ليس حديثًا عن الماضي، إنه حديث عن شكل المستقبل الذي نريد.

فالأردن الذي يقرأ لا يملك كتبًا أكثر فقط؛ بل يملك مواطنين أكثر قدرة على أن يصنعوا ذاكرتهم، ويفهموا حاضرهم، ويكتبوا مستقبلهم بأنفسهم.

وهذه، في النهاية، ليست مهمة كتاب.

إنها مهمة وطن.