بقلم: هند عمر – مرشدة تربوية / مدرسة خلدا الثانوية
لم تعد المدرسة الحديثة مكانًا لتلقي المعرفة فحسب، بل أصبحت فضاءً لبناء شخصية الطالب وتعزيز قدرته على الحوار والمبادرة وتحمل المسؤولية. ومن هنا تأتي أهمية البرلمان الطلابي باعتباره تجربة تربوية تضع الطالب في موقع الشريك، لا المتلقي فقط، وتمنحه فرصة للتعبير عن رأيه والمشاركة في القضايا التي تمس حياته المدرسية.
وفي الأردن، لم تعد المجالس البرلمانية الطلابية تجربة هامشية، بل أصبحت جزءًا من الممارسة التربوية في المدارس، حيث تؤكد وزارة التربية والتعليم أن من أهدافها إعداد جيل قيادي قادر على تحمل المسؤولية، وتنمية مهارات الاتصال والتخطيط، وتعزيز الحوار والتسامح والممارسات الديمقراطية، إلى جانب إشراك الطلبة في تطوير المدرسة وطرح الحلول للقضايا التي تواجههم. وزارة التربية والتعليم الأردنية
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من كونها تنقل مفهوم المشاركة من الكتب والمناهج إلى الممارسة اليومية. فالطالب الذي ينتخب ممثليه، ويعرض فكرته، ويناقش قضية مع زملائه، ويبحث عن حل لمشكلة في مدرسته، يتعلم بصورة عملية معنى المسؤولية واحترام الرأي الآخر والعمل الجماعي.
وتؤكد الأدلة العلمية أهمية هذا النوع من المشاركة؛ فقد خلصت مراجعة منهجية للباحثين أورسولا ماغر وبيتر نوفاك شملت 32 دراسة من أصل أكثر من ثلاثة آلاف مرجع جرى فحصها، إلى وجود أدلة متوسطة على آثار إيجابية لمشاركة الطلبة في اتخاذ القرار المدرسي، خصوصًا في تنمية المهارات الحياتية، وتقدير الذات، والمهارات الديمقراطية والمواطنة، وتحسين العلاقات بين الطلبة والبالغين والمناخ المدرسي. ساينس دايركت
لكن نجاح البرلمان الطلابي لا يقاس بعدد الاجتماعات أو الانتخابات، وإنما بمدى قدرة المدرسة على تحويل صوت الطالب إلى مشاركة مؤثرة. فالاستماع إلى الطالب خطوة مهمة، لكن الأهم أن يشعر بأن رأيه محل اهتمام، وأن أفكاره يمكن أن تتحول إلى مبادرات أو حلول أو تغييرات ملموسة.
وهنا يأتي الدور التربوي للمرشد، الذي يساعد الطلبة على ممارسة الحوار بصورة واعية، ويعزز لديهم ثقافة الاختلاف واحترام الرأي الآخر، ويدعم قدرتهم على تحويل الأفكار إلى مبادرات تخدم المدرسة والمجتمع.
إن البرلمان الطلابي في جوهره ليس تدريبًا على الانتخابات فقط، بل هو تدريب على الحياة. فمن خلاله يتعلم الطالب أن القيادة مسؤولية، وأن الحرية تقترن بالالتزام، وأن الاختلاف لا يفسد الحوار، وأن التغيير الحقيقي يبدأ بفكرة، ثم مشاركة، ثم عمل.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه المدرسة لأبنائها هو أن تقول لهم: صوتكم مهم، وأفكاركم تستحق أن تُسمع، وقدرتكم على التغيير تبدأ من هنا.
فالبرلمان الطلابي ليس مجرد مجلس داخل المدرسة، بل مساحة لبناء جيل يؤمن بالمشاركة، ويمارس المسؤولية، ويستعد لصناعة المستقبل.









