×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتور محمد بزبز

دكتور بزبز يكتب : بين شجاعة النشامى وغياب الوعي… مشهد الزرقاء الذي يجب أن يوقظنا

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : الدكتور محمد يوسف حسن بزبز / سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي


ما حدث مساء أمس في الزرقاء لم يكن مجرد حادث عابر، ولا مشهدًا يمكن أن يمر مرور الكرام في ذاكرة الأردنيين، بل كان لحظة صادمة كشفت عن مفارقة مؤلمة بين شجاعة رجال الوطن من جهة، وغياب الوعي لدى بعض أفراد المجتمع من جهة أخرى. لقد وقف رجال القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية في مواجهة خطر حقيقي؛ جسم غريب قد ينفجر في أي لحظة، يحمل في طياته احتمال كارثة قد تودي بحياة من يقترب منه.

وفي مثل هذه اللحظات يكون البروتوكول واضحًا: إبعاد المدنيين، وتأمين الموقع، والتعامل مع الخطر بحرفية عالية.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان مشهدًا مختلفًا تمامًا؛ تجمهر غير مسؤول، وفضول غير محسوب، وأشخاص يتدافعون لالتقاط الصور والتسجيلات، وكأنهم أمام حدث استعراضي لا أمام خطر قد ينهي حياتهم في لحظة. بعضهم اقترب، وبعضهم وقف يناقش، وآخرون طلبوا فقط "صورة للذكرى"، وكأن الموت احتمال بعيد لا يعنيهم.

المشهد الأكثر إيلامًا لم يكن الصاروخ نفسه، بل ذلك الضابط النشمي الذي وقف يناشد الناس أن يبتعدوا. لم يكن يتوسل خوفًا على نفسه، بل خوفًا عليهم. كان يقف أمام جسم قد ينفجر في أي لحظة، ومع ذلك كان همه الأول أن يبعد الناس عن الخطر. كانت ملامحه تختصر معنى التضحية، وصوته يحمل مسؤولية رجل يدرك أنه قد يضع حياته على المحك في سبيل حماية الآخرين. وفي المقابل كان هناك من يضحك، ومن يمزح، ومن يطلب صورة.
إنها المفارقة التي يجب أن نتوقف عندها طويلًا. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان موقفًا آخر محفورًا في ذاكرة الأردنيين خلال إحدى العمليات الأمنية في إربد، عندما صرخ أحد النشامى بلهجة حازمة: "المدني يرجع لورا". لم يكن ذلك مجرد أمر عسكري، بل كان صرخة مسؤولية وصورة من صور التضحية التي يقدمها رجال الأمن في هذا الوطن. هم دائمًا في المقدمة، يواجهون الخطر أولًا، بينما يحاولون حماية المدنيين حتى من أنفسهم أحيانًا.

ما حدث في الزرقاء يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي؛ لأن المشكلة ليست في حادثة بعينها، بل في ظاهرة آخذة في التوسع: ثقافة الفضول غير المسؤول، والتعامل مع الخطر وكأنه مادة للفرجة أو محتوى للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. حين يتحول الخطر إلى فرصة لالتقاط صورة، وحين يصبح موقع التهديد مكانًا للتجمع والتصوير، فإننا لا نتحدث فقط عن سلوك فردي خاطئ، بل عن خلل في الوعي المجتمعي.

إن التجمهر في مثل هذه الحالات لا يعرّض حياة الناس للخطر فحسب، بل يعرقل أيضًا عمل الأجهزة المختصة التي تحتاج إلى مساحة آمنة وسريعة للتعامل مع الموقف. فكل دقيقة تأخير قد تكون فارقة، وكل تجمع غير مسؤول قد يزيد احتمالات الكارثة.

لذلك فإن الحزم في مثل هذه الحالات ليس خيارًا بل ضرورة؛ فالدولة التي تحمي أبناءها وتضع سلامتهم فوق كل اعتبار، من حقها أيضًا أن تتخذ إجراءات صارمة بحق كل من يعرقل عمل الأجهزة الأمنية أو يعرّض نفسه والآخرين للخطر.

إن احترام تعليمات رجال الأمن ليس مجاملة لهم، بل حماية لنا جميعًا.
وفي النهاية، يبقى المشهد الحقيقي الذي يجب أن نتذكره ليس صورة الصاروخ ولا ضجيج المتجمهرين، بل صورة ذلك النشمي الذي وقف أمام الخطر يناشد الناس أن يبتعدوا. هؤلاء هم حراس الوطن؛ رجال يقفون بيننا وبين الخطر، ويضعون أرواحهم درعًا لأمننا وسلامتنا.
أما نحن، فعلينا أن نكون على قدر هذه التضحيات بوعيٍ أكبر، ومسؤوليةٍ أعلى، واحترامٍ أعمق لكل من يسهر على أمن هذا البلد.
حمى الله الأردن، وحمى نشامى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والأمان.