بقلم : الباحثة سمر خميس / ماجستير التربية الخاصة في الجامعة الهاشمية
الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل الأردني: بين التمكين الحقيقي والتوظيف الشكلي .. من التشريع إلى التطبيق: أين يقف التمكين الحقيقي؟
في الأردن، لم يعد الحديث عن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة غائبًا عن الخطاب الرسمي؛ بل على العكس، أصبح حاضرًا بقوة في السياسات والتشريعات والمبادرات. لكن المشكلة لا تكمن في غياب الخطاب، بل في المسافة التي تفصله عن الواقع. فبينما تُرفع شعارات الدمج وتكافؤ الفرص، ما يزال بعض الأشخاص ذوي الإعاقة يدخلون سوق العمل من بوابة “الاستيفاء الشكلي” لا “التمكين الفعلي”.
هذه المفارقة تضعنا أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل أصبح التوظيف أداة دمج حقيقية، أم مجرد إجراء إداري يحقق الامتثال للقانون دون أن يغير جوهر الواقع؟
المشكلة هنا لا تتعلق بعدد الوظائف بقدر ما تتعلق بطبيعتها. فالتوظيف، حين يُفرغ من مضمونه، يتحول إلى حضور رمزي داخل بيئة العمل؛ وجود بلا تأثير، ومشاركة بلا دور حقيقي. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الشخص ذو الإعاقة مُمكَّنًا، بل مُدرجًا ضمن معادلة شكلية لا تعكس قدراته ولا تستثمر إمكاناته.
وعلى الرغم من أن تحديات سوق العمل لا تقتصر على هذه الفئة، إلا أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون طبقات إضافية من التعقيد؛ تبدأ من محدودية فرص التأهيل المرتبط باحتياجات السوق، ولا تنتهي عند الاتجاهات الاجتماعية التي ما تزال تنظر إلى الإعاقة من زاوية العجز لا القدرة. هذه النظرة، وإن تراجعت في الخطاب، إلا أنها ما تزال حاضرة في الممارسة، وتؤثر بشكل مباشر على قرارات التوظيف.
الأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات قد تلتزم بالقانون شكليًا، لكنها لا تلتزم بروحه. فالتشغيل، في جوهره، ليس رقمًا يُستكمل، بل بيئة تُبنى، وفرصة تُصمم، ودور يُفعل. ومن دون تهيئة حقيقية لبيئة العمل، وتكييف يتناسب مع احتياجات الأفراد، يبقى الحديث عن الدمج ناقصًا، مهما بدا مكتملًا على الورق.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الواقع يحمل نماذج إيجابية تثبت أن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون على الإسهام الفاعل حين تتوفر لهم الفرصة المناسبة. لكن المشكلة أن هذه النماذج ما تزال تُقدَّم كاستثناء، لا كقاعدة يجب تعميمها.
ما يحتاجه سوق العمل الأردني اليوم ليس مزيدًا من النصوص، بل مزيدًا من القناعة. قناعة بأن الإعاقة لا تلغي الكفاءة، وأن الاستثمار في هذه الفئة ليس التزامًا اجتماعيًا فحسب، بل خيارًا اقتصاديًا ذكيًا. فإقصاء الأشخاص ذوي الإعاقة لا يعني فقط حرمانهم من حقهم في العمل، بل يعني أيضًا إهدار طاقات كان يمكن أن تسهم في الإنتاج والنمو.
في النهاية، لا يُقاس التمكين بعدد من تم توظيفهم، بل بمدى قدرتهم على العمل، والتأثير، والاستمرار. وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين تمكين يُغيّر الواقع، وتوظيف يكتفي تحسين صورته.






