دينا محادين- تتنفس مدينة العقبة، من رئتين إحداهما زرقاء تمتد في أعماق خليجها الصافي، والأخرى ذهبية صفراء تنبض بين أحضان البادية الرحبة وبين زرقة البحر ودفء الصحراء يتشكل مشهد بيئي فريد، يتوسطه مرصد طيور العقبة كحارس يقظ، يراقب بصمت عبور آلاف الطيور المهاجرة التي اختارت هذا الممر الطبيعي محطة في رحلاتها الطويلة بين القارات.
وفي هذا اللقاء بين البحر والصحراء والسماء، يكتسب مفهوم السياحة البيئية معناه الأعمق؛ حيث تتناغم الطبيعة مع الجهود الإنسانية لصونها لتتحول مراقبة الطيور واستكشاف التنوع الحيوي إلى تجربة معرفية وسياحية نوعية تثري الزائر وتؤكد مكانة العقبة كوجهة سياحية بيئية متفردة.
وفي هذا السياق، أكد مفوض الشؤون السياحية والشباب في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، الدكتور ثابت حسان النابلسي، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن مرصد طيور العقبة يشكل نموذجا رائدا للسياحة البيئية المستدامة في الأردن والمنطقة، ويسهم بشكل فاعل في تعزيز مكانة مدينة العقبة كوجهة متقدمة لسياحة مراقبة الطيور على المستويين الإقليمي والعالمي.
وأوضح النابلسي أن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وبالشراكة مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، تواصل العمل على تطوير المرصد والترويج له دوليا، بما يعزز حضوره ضمن مسارات السياحة البيئية العالمية ويجعله نقطة جذب رئيسية لمحبي مراقبة الطيور والمهتمين بالتنوع الحيوي.
وأشار إلى أن الجهود المشتركة أثمرت عن إنجازات نوعية، من أبرزها فوز مرصد طيور العقبة ضمن قائمة أفضل 100 وجهة سياحية مستدامة في العالم خلال مشاركته في أحد المعارض السياحية العالمية في برلين – ألمانيا، إلى جانب حصوله على المركز الثاني عالميًا كوجهة خضراء مستدامة ضمن فئة البيئة والمناخ، مؤكدا أن هذه النتائج تعكس التزام العقبة بتعزيز مفاهيم الاستدامة في القطاع السياحي.
وبين النابلسي أن قصة نجاح مرصد طيور العقبة أسهمت أيضًا في حصول مدينة العقبة على شهادة (Green Destinations) للوجهات الخضراء العالمية عام 2023، وهو إنجاز يعكس توجه المدينة نحو تبني ممارسات سياحية مسؤولة وصديقة للبيئة.
وفيما يتعلق بتطوير المرصد، أوضح النابلسي أنه تم التعاون والعمل المشترك مع إدارة المرصد في عدد من المحاور الأساسية التي تهدف إلى تحسين تجربة الزائر وتعزيز القيمة السياحية للموقع، حيث يجري العمل على تطوير البنية الإرشادية داخل المرصد من خلال تركيب نحو 40 لوحة تعريفية وإرشادية توزّع في مواقع مدروسة، بما يتيح للزوار الحصول على معلومات مبسطة وشاملة حول الطيور والبيئة الطبيعية للمرصد دون الحاجة إلى مرافق أو دليل سياحي.
وأضاف أن محور التسويق السياحي يحظى باهتمام خاص، إذ جرى العمل على الترويج للمرصد كمنتج سياحي بيئي متخصص في المؤتمرات والمعارض الدولية المرتبطة بسياحة مراقبة الطيور، إلى جانب التعاون مع هيئة تنشيط السياحة الأردنية في المشاركة في معارض عالمية متخصصة، ما أسهم في فتح قنوات تواصل مع عدد من مكاتب السياحة العالمية المعنية بهذا النمط من السياحة.
كما أشار إلى التعاون في إعداد وطباعة دليل خاص بطيور الأردن والعقبة وإنتاج مواد دعائية متخصصة، بما يسهم في التعريف بالتنوع الحيوي الذي تتميز به المنطقة وتعزيز حضور المرصد ضمن خارطة السياحة البيئية العالمية.
وبيّن النابلسي أن العمل جارٍ أيضًا على تنظيم وإقامة فعاليات سياحية وبيئية داخل المرصد، بهدف تنشيط الحركة السياحية وربط الموقع بالمناسبات البيئية العالمية، من بينها الاحتفال بـ اليوم العالمي للطيور المهاجرة الذي يُقام في الأسبوع الثاني من شهر تشرين الأول، إلى جانب استقطاب رحلات تعريفية لمراقبي الطيور الدوليين ومكاتب السياحة المتخصصة.
وأكد أن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة تنظر إلى السياحة البيئية باعتبارها أحد محركات النمو المستدام في المدينة، وتسعى إلى توسيع نطاقها بالاستفادة من المقومات الطبيعية الفريدة التي تتمتع بها العقبة، مشيرًا إلى أن سياحة مراقبة الطيور تُعد من أسرع أنماط السياحة البيئية نموًا عالميًا، ما يجعل مرصد طيور العقبة منصة واعدة لتعزيز حضور الأردن على خريطة السياحة البيئية الدولية خلال السنوات المقبلة.
من جهته أكد مدير مرصد طيور العقبة وأخصائي تغير المناخ في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة المهندس فراس الرحاحلة لوكالة (بترا)، أن المرصد يمثل قيمة نوعية مضافة لقطاع السياحة البيئية في الأردن، مستنداً إلى الموقع الجغرافي الفريد للمملكة على ثاني أهم مسار عالمي لهجرة الطيور، حيث تعبر ملايين الطيور أجواء المنطقة سنوياً.
وأوضح أن المرصد يشكّل محطة استراحة رئيسية لهذه الطيور خلال رحلات هجرتها الطويلة، ما يتيح لها استعادة طاقتها ومواصلة مسارها الطبيعي، وفي الوقت ذاته يمنح الزائر تجربة فريدة لمشاهدة هذا المشهد الطبيعي الاستثنائي.
وأشار الرحاحلة إلى أن هذا الموقع الاستراتيجي جعل من مرصد طيور العقبة وجهة بارزة لمرتادي سياحة مراقبة الطيور من داخل المملكة وخارجها، مبيناً أنه تم تسجيل نحو 265 نوعاً من الطيور المهاجرة والمقيمة في المنطقة، مع إمكانية مشاهدة ما يقارب 70 نوعاً مختلفاً خلال زيارة واحدة تمتد لبضع ساعات في ذروة مواسم الهجرة، وهو ما يعكس ثراءً بيولوجياً يضع المرصد ضمن أبرز المواقع المتخصصة في سياحة مراقبة الطيور على المستوى الإقليمي.
وأضاف أن الجهود المشتركة التي تقودها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة بالتعاون مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وشركة تطوير العقبة وشركة مياه العقبة والوكالة الأميركية للتنمية الدولية أسهمت في تعزيز البيئات الحيوية لاستراحة الطيور داخل المرصد، من خلال تنفيذ مشاريع رائدة تعتمد على الحلول القائمة على الطبيعة، مشيراً إلى أن مرصد طيور العقبة يعد من أبرز النماذج في التكيف مع تحديات شح المياه وتداعيات التغير المناخي في الأردن عبر الحفاظ على استدامة البيئات الرطبة الاصطناعية وتوظيفها لدعم السياحة البيئية.
وأكد الرحاحلة أن إدارة مرصد طيور العقبة ماضية في العمل على تطوير السياحة البيئية، وبخاصة سياحة مراقبة الطيور في العقبة والأردن، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي واستراتيجية سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وترسيخ مكانة العقبة والأردن كوجهة إقليمية وعالمية متميزة في مجال السياحة البيئية.
--(بترا)






