بقلم فادي زواد السمردلي
مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم يعد فصل الشتاء في الأردن كما كان في ذاكرة الناس قبل سنوات فكثيرون يلاحظون أن المطر أصبح أقل انتظاماً، وأن مواسم الخير التي كانت تبدأ مبكراً وتمتد لأسابيع طويلة صارت أقصر وأكثر تذبذباً فهذا التغير لم يعد مجرد انطباع شعبي، بل أصبح واقعاً ملموساً تشير إليه الملاحظات الميدانية ويتحدث عنه المختصون، ويشعر به المزارعون وكل من يعتمد على الأمطار في حياته اليومية.
خلال السنوات الأخيرة، برز تراجع في كميات الهطول المطري في عدد من مناطق المملكة، إلى جانب تغير واضح في توقيت سقوط المطر ففي بعض المواسم يتأخر بدء الهطول حتى وقت متأخر من الشتاء، وفي مواسم أخرى تهطل الأمطار خلال فترات قصيرة وبكميات مركزة، ثم تنقطع لفترات طويلة. هذا النمط غير المنتظم يجعل من الصعب الاعتماد على الموسم المطري كما كان في الماضي، ويخلق حالة من عدم اليقين لدى المزارعين والجهات المعنية بإدارة الموارد المائية.
كما أن توزيع الأمطار لم يعد متوازناً مكانياً؛ فهناك مناطق قد تسجل كميات جيدة من الهطول، بينما تعاني مناطق أخرى من نقص واضح في نفس الموسم وهذا التفاوت يزيد من حالة عدم الاستقرار المناخي ويؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي، ويجعل التخطيط للمواسم الزراعية أكثر تعقيداً من السابق ومع استمرار هذه التغيرات، تزداد احتمالية حدوث موجات جفاف أكثر تكراراً وشدة، وهو ما ينعكس على التربة والمحاصيل والثروة الحيوانية، ويؤدي في بعض الأحيان إلى خسائر اقتصادية للمزارعين.
التغير المناخي يُعد من أبرز العوامل التي تقف خلف هذه التحولات فارتفاع درجات الحرارة على المدى الطويل يؤدي إلى زيادة معدلات التبخر، ويؤثر في حركة الأنظمة الجوية، مما ينعكس على كمية الأمطار وتوزيعها عبر الزمن والمكان. وبعبارة أبسط، المناخ أصبح أكثر تقلباً وأقل استقراراً، وهذا ما يفسر تذبذب المواسم المطرية وازدياد فترات الجفاف مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود السابقة.
ومع محدودية الموارد المائية في الأردن، فإن أي انخفاض في كميات الأمطار يترك أثراً مباشراً على المخزون المائي، سواء في السدود أو المياه الجوفية كما أن زيادة الطلب على المياه نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني تضع ضغوطاً إضافية على هذه الموارد، مما يجعل إدارة المياه تحدياً متزايداً في ظل الظروف المناخية المتغيرة.
في ظل هذا الواقع، لم يعد التعامل مع التغير المناخي خياراً، بل ضرورة تفرضها الظروف فالتكيف مع هذه التغيرات يتطلب تعزيز كفاءة استخدام المياه، وتطوير أساليب الري الحديثة، وتشجيع حصاد مياه الأمطار، إضافة إلى نشر الوعي بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية وهذه الإجراءات قد لا تمنع التغير المناخي، لكنها تساعد في تقليل آثاره والتكيف مع نتائجه.
التغير المناخي لم يعد قضية نظرية أو بعيدة، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية في الأردن، يظهر في شكل أمطار أقل انتظاماً ومواسم أكثر تقلباً وجفاف أشد حدة وفهم هذه التحولات والتخطيط لمواجهتها هو الخطوة الأساسية للحفاظ على الأمن المائي وضمان استقرار الموارد في السنوات القادمة.






