بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في زحمة الحياة، حيث تتكاثر الأسئلة وتضيق السبل، ينسى الإنسان حقيقةً عظيمة لو استقرّت في قلبه لسكّنت قلقه، وهي أن الأرزاق لا تضل طريقها. فحتى إن عجزت خطواتك عن الوصول، فإن رزقك يعرفك، يعرف اسمك، ويعرف عنوانك، وسيأتيك ولو بعد حين. ليست الطمأنينة أن تملك، بل أن تؤمن أن ما كُتب لك سيصلك، ولو بعد صبرٍ طويل، ولو عبر دروبٍ لم تتوقعها.
وحين تتأمل وجوه الحياة، تدرك أن الإساءة لا تُطفئها إساءة، بل يزيدها الرد القاسي اشتعالاً. وحده العفو يُنهي الدائرة، ويكسر سلسلة الألم الممتدة بين القلوب. فكم من قلبٍ صفح فارتقى، وكم من روحٍ أصلحت فاستحقت أجرها من الله، ذلك الأجر الذي لا يُقاس بميزان البشر، ولا يُحدّ بحدود الزمان. إن العفو ليس ضعفاً، بل هو قمة القوة حين تنتصر على نفسك قبل أن تنتصر على الآخرين.
وفي زاويةٍ أخرى من التأمل، تقف الحكمة لتهمس في أذن كل متعب: لا تحسد أحداً على نعمة، فأنت لا تعرف ثمنها الخفي، ولا تحزن على مصيبة، فأنت لا تعلم ما تخبئه لك من عطاءٍ قادم. فكم من خسارةٍ كانت بداية ربح، وكم من ألمٍ كان بوابةً لنورٍ لم يكن ليُفتح لولا تلك العثرة. إن الصبر ليس مجرد احتمال للألم، بل هو يقينٌ بأن خلف كل وجعٍ حكمة، وأن الجزاء عند الله لا يُعدّ ولا يُحصى.
ولأن الحياة لا تخلو من السقوط، فقد علّمتنا التجارب أن النهاية ليست دائماً حيث نظن. فالمطر يسقط، لكنه لا يموت، بل يُحيي الأرض ويُزهر الربيع. وكذلك الإنسان، قد يسقط، لكنه إن أحسن النهوض، صار سقوطه بدايةً أجمل من كل بداياته السابقة. فلا تخف من التعثر، بل خف من أن تفقد القدرة على الوقوف من جديد.
وما بين الامتنان والرضا، تتجلى أعظم الدروس. فكم من إنسانٍ بكى لأنه حُرم شيئاً، حتى رأى من حُرم أكثر، فخجل من حزنه، وتعلّم أن يقول: الحمد لله على كل حال. إن المقارنات حين تُوجّه نحو من هم أقل حظاً، لا تزيدنا إلا شكراً، ولا تُنقص منا إلا الغفلة.
ويأتي يومٌ، لا محالة، تكتشف فيه أن كل لحظة حزن مرّت بك كانت حماية، وأن كل صبرٍ عشته كان ادخاراً لنعيمٍ أكبر. ستدرك أن الله لم يخذل قلباً احتمى به، ولم يُضِع دمعةً رفعت إليه. حينها فقط، تفهم أن الطرق الوعرة لم تكن إلا ممراتٍ نحو الجنة، وأن الألم كان معلماً صامتاً يقودك إلى النور.
وفي خضم كل ذلك، لا تُغفل أبسط أبواب الخير: ابتسم. إن لم تستطع أن تُعطي مالاً، فأعطِ وجهاً بشوشاً، فكم من ابتسامةٍ كانت صدقة، وكم من كلمةٍ طيبةٍ أعادت الحياة إلى قلبٍ أنهكه الصمت. فالخير لا يُقاس بحجمه، بل بأثره.
وعندما تميل كفة الأيام عليك، وتضيق بك المسافات، تذكّر أن لك ملجأً لا يضيق: القرآن، حيث السكينة، والدعاء، حيث السماء أقرب مما تظن. لا تحمل همّ أن يعرف الناس حزنك، بل اجعلهم يرون منك نورك، واترك ما في داخلك بينك وبين الله، فهو أعلم بما تخفي الصدور.
وفي نهاية كل يوم، لا تنتظر من الحياة إلا الرضا… وسترضى. لأن من استعان بالكريم، أغناه، ومن لجأ إلى الرحيم، احتواه، ومن وثق بالعظيم، لم يُخيّب أمله أبداً. هكذا تُكتب الحكايات الجميلة: بقلبٍ مؤمن، وروحٍ صابرة، وابتسامةٍ لا تنطفئ مهما اشتد الظلام.






