×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتورة تهاني بشارات

بشارات تكتب : رسالة إلى روح الروح… إلى أبي الغالي..رفعت خليل بشارات

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم ابنتك المحبة: د. تهاني رفعت بشارات

يا روحَ الروح، يا مَن غادرتَ الدنيا وبقيتَ ساكناً في قلبي كما يسكن الضوءُ في عين الفجر…
يا أولَ نبضٍ علّمني معنى الأمان، يا أولَ يدٍ أمسكت بيدي فشعرتُ أن الكونَ كلّه ينهض ليحملني.
أكتب إليك يا أبي، ولا أدري أيُّ الحروف تكفيك، ولا أيّ البحور تتّسعُ لشوقٍ يسعُ العمر كلَّه.
أكتبُ إليك وقلبي يجرُّ خلفه ذيولَ الحنين كما تجرُّ الغيمةُ ماءها الثقيل فوق صحراءٍ عطشى.

سلامٌ على روحك الطاهرة، سلامٌ على قلبك الذي كنتَ تُفيضه عليّ حباً وحناناً حتى غدوتُ بنتاً تُشبه وردَ حديقتك، وتُشبه حلمَك الذي لم يكتمل…
سلامٌ على ضحكتك التي كانت تفتح في قلبي نوافذَ من فرحٍ لا يشيخ.
سلامٌ على وجهك الذي ما زلتُ أراه في أحلامي واضحاً مثل قمرٍ لم يمسّه الغياب.

يا أبي…
كم اشتقتُ إليك!
اشتقتُ لصوتك حين تناديني “يا أميرتي”، وكأنّك كنتَ تعيد ترتيب العالم من حولي ليصبح أكثر لطفاً، وأكثر رحمة.
اشتقتُ لحضنك الذي كان يتّسع لكل خيباتي، فيتحوّل وجعي بين يديك إلى سلامٍ يشبه السكينة التي تهبط من السماء.
اشتقتُ لرائحتك التي كانت تملأ يومي بالطمأنينة، حتى صرتُ أعرف معنى اليُتم حين غابت تلك الرائحة.

ما زلتُ أبحث عنك يا أبي في كل وجهٍ يشبهك، وفي كل صوتٍ يحمل نبرة دافئة قريبة من صوتك، وفي كل تفاصيل حياتي التي أصبحت ناقصةً دونك…
ما زلتُ أفتقدك في أفراحي قبل أحزاني، في إنجازاتي قبل عثرتي، في كل لحظةٍ تمنيتُ فيها أن أسمعك تقول: “فخور بكِ يا ابنتي.”

يا أبي…
لم أنسَ يوماً تلك الوردة الجورية البيضاء التي زرعتَها لي وسمّيتها باسمي… كانت الوردةُ مرآة قلبك النقي، وكانت إعلانًا صامتًا عن حبٍّ لا يشبه حبّ أحد.
لم أنسَ دفتري القديم حين رسمتَ عليه عصفورك المفضّل… ذلك العصفور كان يشبهك: يعلّمني الحرية، يفتح لي جناحين من حلم، ويهمس لي أن السماء لا تُدرك إلا بالطيران.

لم أنسَ أول خاتمٍ أهديتني إيّاه حين تفوّقت… كنتَ ترى فيّ ابنتك الملكة، وكنتُ أراك الملك الذي لا يزول.
ولن أنسى الرحلة الأولى إلى بيت الله، حين أمسكتَ بيدي أمام الكعبة، وشعرتُ أن الأرض تُشرق من جديد.
لم أنسَ دمعة الفرح التي نزلت من عينيك يوم تخرّجتُ من الماجستير… كنتَ مريضاً، لكنّ قلبك كان أقوى من المرض، وكان فخرُك بي أكبر من التعب.

يا سندي الغائب…
رحمك الله يا أبي كما رحم الأرض حين كانت تبتسم لك.
رحمك الله كما رحم الوجوه التي كنتَ تمسح عنها الحزن، والقلوب التي كنتَ تزرع فيها الفرح.

يا أبي…
أفتقدك كما يفتقد الغصنُ جذره، وكما تفتقد الروحُ جسدها، وكما يفتقد الليلُ نجمه الذي اهتدى به العمر كلَّه.
أفتقدك في دعائك الذي كان يسبق خطواتي، ويعبد لي طرقاً ما كنتُ لأصلها لولا نورك.
أفتقدك في قوتي التي علمتني إياها، وفي صبري الذي ورثتُه عنك، وفي قلبي الذي لا يزال ينبض باسمك.

يا نبض قلبي…
يا الاسم الذي أعتز وأفخر به: رفعت بشارات،
يا أبي الذي كان لي وطناً، وسنداً، وصديقاً، وظهراً لا ينكسر…
أعدك أن أبقى كما أردتَ لي: قوية، ثابتة، حاملةً لبصمةٍ في الحياة، شاهدةً على أن الإنسان أثر…
وأنت يا أبي أجمل أثرٍ بقي في حياتي.

أعدك ألّا تنطفئ شمعةُ اسمك، وأن يظلّ ذكرك ضوءاً يتردّد في أرجاء روحي كلّما ضاقت بي الأرض.
أعدك أن أُكمل الطريق، وأن أضع بصمتي كما قلتَ لي، وأن أكون الامتداد الذي يرفع اسمك عالياً.

يا أبي…
لن أنسى نظرتك الأخيرة… تلك النظرة التي اختزنتْ عمراً من المحبة في لحظة الوداع.
لن أنسى قبلة الوداع على جبينك، يوم ودّعتُك وأنتَ مغطّى بالكفن… كانت قبلةً حفرتْ في قلبي ألف جرح، وألف قوة في آنٍ واحد.

أبي…
أنتَ معي دائماً، في دعائي، في أحلامي، في ضعفي، وفي قوتي…
معي في قلبي الذي لا ينساك، ومعي في اسمي الذي يحمل من نورك الكثير.

جعل الله قبرك نوراً على نور، ورحمةً على رحمة، وطمأنينةً تُحيطك من كل جانب.
جعل الله روحك في أعلى عليين، في جنات الفردوس، في مقامٍ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

أبي الغالي… يا روح الروح…
أحبك كما لم أحبّ شيئاً في حياتي،
وأشتاقك كما لم أشتقّ يوماً لأحد،
وسأظلّ ابنتك التي تحبك حتى آخر العمر.

ابنتك التي لا تنساك أبداً
د. تهاني رفعت بشارات.
_مجلد إبداعات أدبية ورسائل نسائية عربية 
اصدارات مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي.