بقلم : المهندس أحمد نضال عواد
في مثل هذا اليوم، منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، لم يهاجر رجلٌ من مكة إلى المدينة فحسب، بل هاجرت معه فكرة كاملة عن الإنسان — فكرة أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد، وأن يصنع من الصفر حضارةً تُنير العالم.
لم تكن الهجرة النبوية هروباً من أزمة، بل كانت صناعةً لمستقبل. لم تكن انسحاباً من الواقع، بل إعادة تشكيل له. ولم تكن رحلة طريق، بل رحلة فكرة انتصرت على كل العوائق. ولهذا لم يجعل المسلمون بداية تاريخهم يوم معركة أو فتح أو انتصار عسكري، بل جعلوه لحظة انتقال من الضعف إلى البناء، ومن المعاناة إلى الإنجاز، ومن التفرق إلى تأسيس مجتمع يحمل رسالة الخير للناس جميعاً.
واليوم، ونحن نستقبل عاماً هجرياً جديداً، قد نتبادل التهاني والكلمات الجميلة، لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يوقظنا هو: هل نحمل روح الهجرة، أم نحمل رقمها فقط؟
ولعل أجمل ما نتعلمه من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الانتقام، بل في القدرة على العفو. فذات يوم أتاه أعرابي يريد قتله بسيفه، فلما صار السيف في يد النبي الكريم وسأله من يمنعك مني؟ لم يقتص ولم يعاقب، بل عفا وأطلق سراحه، فذهب ذلك الرجل إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. هذه هي الهجرة الحقيقية — الهجرة من الانتقام إلى الرحمة، ومن الأنا إلى الناس، ومن الضيق إلى السعة.
إن العالم اليوم لا يعاني نقصاً في المعلومات بقدر ما يعاني نقصاً في القيم. يعاني من شح الصدق والأمانة والرحمة والمسؤولية. وكثيرون يشتكون من الفساد، لكن الإصلاح يبدأ حين يرفض الإنسان أن يكون جزءاً منه. وكثيرون يتحدثون عن الأخلاق، لكن التغيير الحقيقي يبدأ حين تتحول الأخلاق إلى سلوك يومي لا إلى كلام منشور.
يقول الله عز وجل: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" — والرجوع يبدأ بقرار فردي صادق قبل أن يكون مطلباً جماعياً.
فالهجرة الحقيقية في هذا الزمن ليست رحلة تحتاج إلى حقائب أو مسافات، بل قرار داخلي يحتاج إلى صدق وشجاعة وإرادة لا تستسلم.
هناك من يحتاج أن يهاجر من التشاؤم إلى الأمل. ومن يحتاج أن يهاجر من الكراهية إلى التسامح. ومن يحتاج أن يهاجر من الأنانية إلى خدمة الناس. ومن يحتاج أن يهاجر من الكلام الكثير إلى العمل الكثير. ومن يحتاج أن يهاجر من ثقافة اللوم إلى ثقافة المبادرة، ومن انتظار الحلول إلى المشاركة في صناعتها.
إن بيتاً صالحاً يصنع حياً صالحاً، وحياً صالحاً يصنع مدينة أفضل، ومدينة أفضل تصنع وطناً أقوى. أنت بيت، فإذا عمر البيت عمرت المدينة. وأنت كلمة، فإذا كانت صادقة تغيرت القصة كلها. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأبلغ ما يكون: "بلغوا عني ولو آية" — وفي هذا تشريف لكل واحد منا بأن يكون حاملاً لشعلة، لا جالساً في الظلام يلعن البرد.
والله تبارك وتعالى يقول: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" — فالاختبار ليس في الكم، بل في حسن العمل. والسنوات تمضي سريعاً، والأعمار لا تعود إلى الوراء، وما يبقى في النهاية ليس ما جمعناه لأنفسنا، بل ما قدمناه للناس من خير ومعرفة ورحمة وعطاء.
ومع إشراقة هذا العام الهجري الجديد، لنسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:
ما الشيء الذي سأهاجر عنه هذا العام؟ وما القيمة التي سأهاجر إليها؟
فربما كانت تلك الإجابة هي بداية أجمل فصل في حياتنا. كلنا ذاهبون ذات يوم، فلنترك أثراً جميلاً ينفع الناس أجمعين.
كل عام وأنتم بخير، وأقرب إلى الله، وأكثر نفعاً للناس، وأعمق أثراً في الحياة، سائلين اللّه أن ينفعنا وإياكم ويجعلنا نافعين لوطننا والناس أجمعين بظل قيادتنا الهاشمية الحكيمة الملهمة ، فالنجمة السباعية في علم بلادنا تستحق منّا جميعاً الأفضل دائماً.






