- مشاريع رائدة تجمع الأصالة بالجاذبية السياحية.
- تطوير عيون الماء استثمار حقيقي في الذاكرة الحية للمجتمع العجلوني
عجلون - علي القضاة - في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز السياحة البيئية والحفاظ على الإرث التاريخي والمائي، تواصل بلدية عجلون الكبرى تنفيذ مبادرة "عجلون أرض الينابيع"، التي تستهدف ترميم وتأهيل ينابيع المياه التاريخية الحيوية في المحافظة، وإدراجها ضمن المسارات السياحية التي تجذب الزوار من داخل المملكة وخارجها.
جاء إطلاق بلدية عجلون الكبرى لمبادرة "عجلون أرض الينابيع" استجابةً للوضع الذي آلت إليه العديد من عيون الماء التاريخية في المنطقة؛ حيث كانت تعاني سابقاً من الإهمال، وتراكم الأتربة والأنقاض التي تسببت في انسداد مجاري المياه وتراجع تدفقها، كما تعرضت المساحات المحيطة بها للتهميش، مما أفقدها قيمتها الجمالية والتاريخية وجعلها مواقع غير مستغلة، رغم ما تحمله من إرث وارتباط بين الإنسان والأرض منذ مئات السنين.
لا تقف أهداف المبادرة عند حدود الجانب الهندسي أو البيئي المحض، بل تتعدى ذلك لتشكل مشروعاً تنموياً متكاملاً يعيد صياغة المشهد السياحي والثقافي في المحافظة.
فمن الناحية البيئية والمائية، تضع البلدية حماية هذه الثروة المتجددة في مقدمة أولوياتها من خلال تنظيف الأقنية والمجاري لضمان ديمومة تدفق المياه النظيفة وحمايتها من التلوث، وهو ما ينعكس مباشرة على إحياء المساحات الخضراء المحيطة بها وإعادة الألق لطبيعة عجلون الساحرة.
ويتجلى الأثر الأعمق للمبادرة في بُعدها الإنساني والثقافي، حيث تسعى البلدية إلى إعادة ربط الأجيال الحالية بجذورها من خلال ترميم معالم ارتبطت بوجدان كبار السن وذاكرتهم، مما يحوّل هذه الينابيع إلى جسورِ تواصلٍ حيّة تروي حكاية الإنسان والأرض، هذا البُعد الوجداني يتكامل بدوره مع رؤية استثمارية طموحة تهدف إلى تحويل هذه العيون التاريخية من مجرد نقاط مرور عابرة إلى محطات ومزارات سياحية رئيسية، مجهزة بالكامل لاستقبال الوفود وهواة المسارات البيئية وسياحة المشي.
ومن المتوقع أن تفرز هذه الرؤية آثاراً اقتصادية إيجابية ملموسة على المجتمع المحلي؛ فتهيئة المواقع لاستقطاب الزوار ستفتح آفاقاً رحبة لخلق فرص استثمارية وتشغيلية جديدة للأهالي، مما يسهم في تنشيط الحركة التجارية، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وتقديم عجلون كنموذج رائد في السياحة المستدامة التي تستثمر في التاريخ لتبني المستقبل.
( عين التيس: أيقونة تراثية تروي حكاية الأرض والهُوِيّة)
لا تمثل "عين التيس" الجاثمة على مدخل بلدة عين جنا مجرد نبع ماءٍ عابر، بل هي رمزٌ متجذر في الوجدان العجلوني وأيقونة تختزل أصالة إنسان هذه الأرض، وقد تجلت هذه المكانة التاريخية في الذاكرة الشعبية للمحافظة عبر مأثورٍ لطالما ردده الأهالي كصكّ انتماءٍ للمكان؛ إذ يُقال في المأثور المحلّي: "إنْ كُنْتَ مِنْ عجلون، فَأَنْتَ حتماً مِمَّنْ ارتووا من عين التيس، واقتاتوا من ثمر بلوطها"، في إشارةٍ بليغة إلى تلازم الهوية العجلونية مع مفردات طبيعتها وضيافتها.
وفي هذا السياق، حرصت بلدية عجلون الكبرى على أن تحاكي أعمال التأهيل هذا البُعد الرمزي؛ إذ تجاوزت نسبة الإنجاز في الموقع الـ 80%. وشملت الأعمال إعادة بناء العين بالطابع الأثري مستخدمةً حجارة المدينة الأصيلة المستخرجة من قلب جبال عجلون، لتبدو كجزءٍ لا يتجزأ من تضاريسها، كما تم الحفاظ بعناية فائقة على شجرة البلوط العتيقة في الموقع لتبقى شاهداً حياً يجسد المأثور الشعبي أمام الزوار، وتتوسط المكان اليوم نافورة مائية تحيط بها ساحات مُبلطة، وممرات مجهزة، تمنح الزائر فرصة التماسٍ مباشرٍ مع عراقة الماضي وسحر الطبيعة.
( عين أم جلود: شريان متجدد وبوابة حضارية تفيض بالتاريخ والجمال.)
على الطريق الرئيس الحيوي الذي يربط بين عجلون وجرش وعمان، تبرز "عين أم جلود" بموقعها الاستراتيجي كبوابة ترحيبية شامخة عند مدخل منطقة عنجرة، وقد نجحت المبادرة في تحويل هذا الموقع إلى تحفة معمارية متكاملة تتناغم فيها الطبيعة مع عبق التاريخ؛ حيث تجلت اللمسات التراثية في إعادة بناء واجهة العين وبوابتها المقوسة باستخدام حجارة عجلون الصفراء المتميزة، والتي نُقشت عليها بآيات قرآنية كريمة تذكر بقدسية وأهمية الماء، لتضفي على المكان جلالاً وسحراً خاصاً، وتتدفق من ثناياها المياه العذبة عبر قنوات تم تنظيفها وتأهيلها بالكامل لتنساب في مجاريها الطبيعية ، وتكشف ملامح المشروع - الذي شارف على الاكتمال بنسبة إنجاز بلغت 90% - عن تخطيط هندسي رفيع؛ إذ تميز الموقع بمسارات مشاة أنيقة رُصفت بأحجار الرصيف الملونة وبتناظر هندسي بديع، تحيط بها أحواض من الزهور المتنوعة والورود الجورية الملونة التي تضفي حيوية ونضارة على جنبات الطريق، وسيتم تزيد الموقع بمقاعد استراحة متناسقة تتيح للزوار والمارة الاستمتاع بجمالية المكان والتقاط الأنفاس في أجواء طبيعية ساحرة.
ولعل أبرز ما يسترعي الانتباه في هذا التطوير هو النصب التذكاري الصخري الضخم من صخور جبال عجلون الشاهقة، والذي يحمل كلمات تحاكي فخر المدينة وإرثها العريق، لتشكل هذه الصروح مجتمعةً محطة سياحية وثقافية وطنية متكاملة تأسر قلوب زوار المحافظة.
- تطلعات مستقبلية: توسيع المبادرة لتشمل ينابيع جديدة وضمن الرؤية المستدامة لبلدية عجلون الكبرى، لن تتوقف المبادرة عند هذا الحد؛ بل أعلنت البلدية عن خططها المقبلة لتوسيع نطاق العمل ليشمل ينابيع تاريخية أخرى في مختلف المناطق، كعين أم العبر الواقعة في منطقة الصفا، بالإضافة إلى "العين البرانية" في منطقة عين جنا وغيرها من العيون في المحافظة، لضمان إحياء هذه العيون التاريخية وإعادتها إلى ألقها لتخدم المجتمع المحلي والزوار على حد سواء.
ومع تتابع خطوات هذا المشروع، تقدم بلدية عجلون الكبرى نموذجاً حياً وتجربة رائدة يجدر بالجميع الاقتداء بها في كيفية استغلال الموارد المحلية المتاحة وتحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية، وبذلك، تؤكد البلدية أن تطوير عيون الماء هذه هو استثمار حقيقي في الذاكرة الحية للمجتمع العجلوني، وتأكيد راسخ على ارتباط الإنسان بأرضه وحجارته التاريخية.






