×
آخر الأخبار

القرى التراثية في عسير.. ذاكرة حضارية تحولت إلى منصات للثقافة والسياحة

{title}
22 الإعلامي   -

أبها  - لم تعد القرى التراثية في منطقة عسير مجرد شواهد معمارية تحفظ ملامح الماضي، بل أصبحت اليوم فضاءات ثقافية وسياحية نابضة بالحياة، تستضيف الندوات والأمسيات الشعرية والعروض الشعبية والمعارض الحرفية، وتسهم في تعزيز الهوية الوطنية وتنشيط الحركة السياحية، في إطار الاهتمام المتزايد بالتراث بوصفه أحد روافد التنمية المستدامة وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وتُعد منطقة عسير من أغنى مناطق المملكة بالقرى التراثية، إذ تضم أكثر من 4000 قرية تراثية موزعة على محافظاتها المختلفة، من أشهرها "رُجال" في محافظة رجال ألمع، و"طبب" شمال غرب مدينة أبها، و"آل ينفع" في مركز تنمية جنوب شرق مدينة أبها، و"العكاس" شمال غرب مدينة أبها، و"المدانة" بمحافظة النماص، وغيرها من المواقع التي تمثل نماذج فريدة للعمارة الجبلية في السعودية، حيث تأتي جهود إعادة إحيائها ضمن الجهود الوطنية التي أسهمت في تسجيل وتصنيف 50 ألف موقع تراث عمراني في المملكة حتى عام 2025، بعد أن أضافت هيئة التراث نحو 25 ألف موقع جديد خلال العام المنصرم 2025، في خطوة تعكس حجم الاهتمام بحفظ الموروث العمراني وتوظيفه ثقافيًا وسياحيًا.
ويرى عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد الدكتور محمد العمري في حديثه لوكالة الأنباء السعودية أن القرى التراثية بطبيعتها جزء أصيل من الثقافة، ولذلك فإن احتضانها للفعاليات الثقافية يمثل حالة من التكامل بين المكان والمضمون، موضحًا أن إقامة الندوات والأنشطة الفكرية داخل هذه القرى يمنح الفعاليات بعدًا مختلفًا، لأن المواقع التاريخية تضيف قيمة ثقافية تتجاوز قيمتها العمرانية أو التاريخية.
وأكد العمري أن القيمة الحقيقية للقرى التراثية لا تكمن في مبانيها وحدها، مهما حملت من جمال معماري وتفاصيل إنشائية عريقة، بل فيما يُبث فيها من حياة عبر البرامج الثقافية المتنوعة، مشيرًا إلى أن مفهوم الثقافة لا يقتصر على الندوات والمحاضرات، وإنما يشمل أيضًا الفنون الشعبية مثل العرضة والخطوة، والأمسيات الشعرية والموسيقى، والحرف التقليدية، وكل ما يعكس هوية المجتمع.
ويصف القرى التراثية بأنها "الجسد" الذي يمنح البرامج الثقافية مكانها الطبيعي، بينما تمثل تلك البرامج الحياة في هذه المواقع، لافتًا إلى أن استمرارية الأنشطة الثقافية داخل القرى تسهم في تعريف الأجيال الجديدة بهويتهم الوطنية، وترسيخ ارتباطهم بالموروث الشعبي من خلال التجربة المباشرة، وليس عبر الكتب أو المناهج فقط.
وأشار إلى أن استثمار القرى التراثية ينبغي أن يتجاوز المواسم السياحية ليصبح مشروعًا ثقافيًا وتنمويًا مستدامًا على مدار العام، من خلال تنظيم برامج تدريبية وورش عمل في آداب الضيافة السعودية، وتعليم الفنون الشعبية، وصناعة الأكلات التقليدية، والحرف اليدوية، إلى جانب تخصيص مساحات للأسر المنتجة لتسويق منتجاتها داخل هذه القرى، بما يحولها إلى مراكز اقتصادية واجتماعية وثقافية في آن واحد.
وتشهد القرى التراثية في عسير خلال الأعوام الأخيرة تناميًا في استضافة الفعاليات ضمن برامج المواسم السياحية والثقافية، الأمر الذي أسهم في زيادة الإقبال عليها من الزوار، وتحويلها إلى وجهات تجمع بين التجربة السياحية والمعرفة الثقافية، في نموذج يعكس نجاح توظيف التراث العمراني بوصفه موردًا اقتصاديًا وثقافيًا في الوقت نفسه.

واس