×
آخر الأخبار

الزعبي تكتب : عندما تصبح الكلمة جزءاً من الأزمة.. مسؤولية الصحفي الوطني

الزعبي تكتب : عندما تصبح الكلمة جزءاً من الأزمة.. مسؤولية الصحفي الوطني
22 الإعلامي   -

بقلم : الإعلامية راما مراد الزعبي

في لحظة الأزمة لا يبحث الناس عن كثرة الأخبار وإنما عن الحقيقة. يريدون معلومة واضحة ومصدراً موثوقاً وإجابة تساعدهم على فهم ما يحدث من حولهم. وفي تلك اللحظات تحديداً يصبح المشهد الإعلامي أكثر حساسية؛ خبر يتسارع، وتصريح يتغير، وصورة تنتشر خلال ثوانٍ، وشائعة قد تصل إلى آلاف الناس قبل أن يجد أحد وقتاً للتحقق منها.

وسط هذا التدفق يقف الصحفي أمام اختبار حقيقي لمهنته. فالكلمة التي يكتبها ليست مجرد نص والصورة التي يختارها ليست مجرد مادة بصرية والعنوان الذي يضعه ليس مجرد وسيلة لجذب القارئ. كل قرار صحفي قد يساهم في تهدئة الناس أو زيادة قلقهم، وقد يوضح الحقيقة أو يضيف مزيداً من الالتباس إلى المشهد.

لهذا، فإن الصحفي الوطني في وقت الأزمات لا يكون دوره نقل الحدث فقط، وإنما تقديمه للناس بصورة دقيقة ومتوازنة ومسؤولة. عليه أن يكون حاضراً بعقله قبل كاميرته، وأن يدرك أن الجمهور في هذه اللحظات يحتاج إلى من يساعده على فهم الواقع، لا إلى من يضاعف حالة الخوف والارتباك.

والوطنية في الصحافة لا تعني تجاهل الأخطاء أو تجاوز الحقائق حفاظاً على صورة مؤسسة أو جهة معينة. كما أن المهنية لا تعني تحويل الأزمة إلى سباق على المشاهدات أو البحث عن عنوان أكثر إثارة من غيره. الصحافة الوطنية الحقيقية تحتاج إلى موقف واضح: أن تقول الحقيقة، وأن تحمي حق الناس في معرفتها، وأن تدرك في الوقت نفسه أن للحقيقة طريقة وتوقيتاً وأثراً يجب التفكير فيه.

قد يكون نشر خبر غير مؤكد أسرع طريق إلى التفاعل، وقد يحقق العنوان المثير انتشاراً واسعاً، لكن الصحفي المسؤول يعرف أن الوصول أولاً لا قيمة له إذا كانت المعلومة خاطئة.

وهنا تظهر قيمة التحقق باعتباره أساساً لا يمكن تجاوزه.

في عصر أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للمعلومات، لم يعد وصول الخبر إلى الصحفي كافياً لنشره. عليه أن يعرف مصدره، ويفحص تفاصيله، ويقارن الروايات، ويتأكد من الصور والمقاطع المتداولة، ويفصل بوضوح بين المعلومة المؤكدة والمعلومة التي ما تزال قيد التحقق.

قد تتأخر دقائق عن الآخرين، لكنك عندما تنشر، تمنح الجمهور معلومة يمكن الوثوق بها. وهذه هي قيمة الصحافة الحقيقية؛ الدقة قبل السرعة، والحقيقة قبل السبق.

وتزداد مسؤولية الصحفي عندما تكون الأخبار مرتبطة بأرواح الناس وخصوصيتهم. فالضحايا ليسوا أرقاماً في خبر عاجل، ووجع عائلاتهم ليس مادة للانتشار، وصور الحوادث القاسية ليست معياراً لقوة التغطية. أحياناً يكون القرار المهني الأقوى هو أن تعرف متى تتوقف عن النشر.

كرامة الإنسان ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه تحت ضغط السبق الصحفي. أسماء الضحايا، وصورهم، ومعلوماتهم الشخصية، وتفاصيل حياتهم الخاصة تحتاج إلى أعلى درجات الحذر، خصوصاً عندما تكون المعلومة غير مؤكدة أو عندما يمكن أن يؤدي نشرها إلى مضاعفة الألم على أسرة فقدت شخصاً أو تعيش لحظة خوف وانتظار.

وفي الجهة الأخرى، لا يفقد الصحفي دوره النقدي في الأزمات. فالمهنية لا تعني أن يتحول الإعلام إلى منصة لإعادة نشر البيانات والتصريحات فقط. الصحفي يسأل، ويتحقق، ويبحث عن الإجابة، وينقل صوت الناس، ويضع المعلومات أمام الجمهور في سياقها الصحيح.

وقد تكون هناك أخطاء تحتاج إلى كشف، أو قرارات تحتاج إلى تفسير، أو معلومات تحتاج إلى توضيح. هنا تأتي قوة الصحافة عندما تمارس دورها دون تشويه أو تحريض أو استغلال لمشاعر الناس.

فالصحفي الوطني لا يقف ضد وطنه عندما يسأل، ولا يفقد مهنيته عندما ينتقد. قيمة الموقف الصحفي تظهر عندما يكون السؤال في مكانه، والنقد مستنداً إلى معلومة، والطرح بعيداً عن المبالغة والتشهير.

وتزداد خطورة الخطاب الإعلامي عندما يُختزل الحدث في عنوان أو صورة أو مقطع قصير. كثير من الناس لا يقرأون الخبر كاملاً؛ قد يكتفون بعنوان، أو يشاهدون صورة، أو يتداولون مقطعاً لثوانٍ، ثم يبنون موقفاً كاملاً على تلك الجزئية.

لهذا، فإن العنوان مسؤولية، والصورة مسؤولية، والمقطع مسؤولية، وحتى اختيار كلمة واحدة داخل الخبر قد يغيّر طريقة فهم الجمهور للحدث.

العنوان المضلل قد يصنع حقيقة غير موجودة، والصورة الخارجة عن سياقها قد تقود إلى استنتاج خاطئ، والرأي الشخصي إذا دخل في صياغة الخبر دون تمييز قد يتحول في ذهن المتلقي إلى حقيقة.

وهذه التفاصيل تصبح أكثر خطورة عندما يكون المجتمع تحت الضغط؛ لأن الجمهور في لحظة الخوف لا يملك دائماً الوقت أو القدرة على التحقق بنفسه. لذلك، يصبح الصحفي أمام مسؤولية إضافية: أن يكون هو الحلقة التي تحمي المعلومة من التشويه، لا أن يكون جزءاً من سلسلة نشرها دون تدقيق.

ومن هنا، فإن الصحفي الوطني مطالب بأن يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وبين مسؤوليته تجاه المجتمع وأفراده. ليس المطلوب منه الصمت، ولا حجب الحقائق، وإنما امتلاك الوعي الكافي ليعرف ماذا ينشر، ومتى ينشره، وكيف يصوغه، وما الأثر الذي يمكن أن يتركه بعد النشر.

فالصحافة في زمن الأزمات ليست اختباراً للسرعة فقط، وإنما اختبار للضمير المهني.

وعندما تنتهي الأزمة، قد تختفي الأخبار من الواجهة، وتتوقف التغطيات المباشرة، وتُغلق الكاميرات. لكن بعض الكلمات تبقى في ذاكرة الناس؛ كلمة طمأنت، أو معلومة كشفت الحقيقة، أو صورة زادت الألم، أو خبر غير دقيق تسبب في خوف لا حاجة له.

لهذا، فإن الصحفي لا يكتب لجمهور عابر، وإنما يكتب لأشخاص قد يتخذون قراراتهم، ومواقفهم، وحتى مخاوفهم بناءً على ما يقدمه لهم.

المسؤولية الصحفية ليست شعاراً يُرفع وقت الأزمات، وإنما ممارسة تبدأ قبل الضغط على زر نشر. تبدأ من السؤال عن المصدر، ومن التحقق من التفاصيل، ومن احترام الإنسان، ومن إدراك أن لكل خبر أثراً يتجاوز لحظة ظهوره على الشاشة.

ففي الأزمات، قد ينتهي الحدث وتُغلق الكاميرات وتبقى الكلمات في ذاكرة الناس. لذلك، لا تجعل قيمتك في أنك كنت أول من نشر اجعلها في أنك كنت الأكثر دقة والأكثر مهنية والأكثر مسؤولية عندما كان للكلمة ثمن.