
22 الاعلامي – بقلم : شروق الكيلاني
مرة أخرى، تُفتح أبواب الجحيم على غزة. ليس الأمر مجرد خبر عابر في نشرة الأخبار، أو رقمًا آخر يضاف إلى سجلات الضحايا. إنه شعور يخنق الروح، كأن الأرض نفسها تتوجع تحت وطأة القصف، وكأن سماء القطاع تمطر رمادًا ودموعًا.
نشاهد الصور الباهتة، نسمع الأصوات المتقطعة عبر شاشاتنا، لكننا نعجز عن استيعاب الحقيقة المرة: حياة كاملة تُقتلع، أحلام تُدفن تحت الأنقاض، وبراءة أطفال تتلاشى في دخان الانفجارات. أي منطق معوج يسمح لهذا السيناريو الكابوسي بأن يتكرر؟ أي قلب يمكنه أن يتقبل هذا العبث الدموي باسم “الدفاع عن النفس”؟
إن “الاحتلال الحقير” – كما يتردد في أعماق كل عربي حر – لا يكتفي بسرقة الأرض وتاريخها، بل يمعن في إذلال الإنسان وكسر إرادته. يحاصرونهم، يضيقون عليهم الخناق، ثم يشنون عليهم حروبًا عبثية، تاركين خلفهم أجيالًا مشوهة جسديًا ونفسيًا.
والأمر الأكثر مرارة هو “سكوت الدول”. هذا الصمت ليس حيادًا، بل هو تواطؤ ضمني، ضوء أخضر خفي يُمنح للجلاد ليتمادى في فعلته. أين ذهبت شعارات حقوق الإنسان؟ أين قيم العدل والإنصاف التي تتشدق بها المحافل الدولية؟ هل دماء غزة أقل قيمة؟ هل أطفالها يستحقون هذا المصير؟
إن هذا الصمت الدولي ليس مجرد موقف سياسي، بل هو وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء. هو دليل على أن المصالح الضيقة والأجندات الخفية تطغى على كل القيم والمبادئ التي يدعون إليها.
في خضم هذا الظلام الدامس، يبقى السؤال يتردد في أعماقنا: إلى متى سيستمر هذا العبث؟ إلى متى ستظل غزة تدفع ثمن صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل؟ إلى متى سيظل ضمير العالم في إجازة؟
إن ما يحدث في غزة ليس مجرد قضية سياسية قابلة للتفاوض، بل هو جرح عميق في الروح الإنسانية. هو صرخة مدوية تستنجد بالضمائر الحية، تطالب بالعدل، وتنادي بالحرية. هو اختبار حقيقي لإنسانيتنا، فهل سننجح في هذا الاختبار أم سنبقى شهود زور على مأساة تتكرر بلا نهاية؟