محليات

الضمان الاجتماعي والبرامج المرتبطة بالجائحة: لهذا وهكذا تدخلنا

الدكتور حازم رحاحلة، مدير عام المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي

  • ما يميز سياسات احتواء تداعيات الجائحة التي أطلقتها المؤسسة، أنها جاءت مبتكرة ومتنوعة في أدواتها ومتوازنة في توقيتها وفي الوقت نفسه لن تؤثر على الاستدامة المالية للمؤسسة
  • غالبية برامج الضمان الاجتماعي ممولة ذاتياً وهي تدابير مرحلية واستثنائية لضمان الاستدامة المالية المستقبلية
  • ونحن نقترب من عامين على بدء الجائحـة، تمكنت البرامج المختلفة للضمان الاجتماعي الـوصـول إلى أكثر من مليون و (200) ألف مستفيد بين مشترك حـالي وسابق
  • 604 ألف أسـرة أردنيـة (39% من الأسر الأردنية) شملتها برامج المؤسسة، يصـل أعداد أفـرادهـا إلى نحـو (2.9) مليون مواطن أردني
  • برامج الضمان الاجتماعي اتاحت سيولة إضافية للقطاع الخاص بلغت لغاية اليوم نحو 232 مليون دينار

لم تكن جائحة كورنا أزمة عابرة، بل كانت تجربة استثنائية لاختبار منعتنا الاقتصادية والاجتماعية، وقدرة مؤسساتنا الوطنية على التصدي لأصعب الظروف التي واجهت المملكة، وكذلك الحال لغالبية دول العالم. فعلى غير سابق إنذار، اضطرت المملكة، كسائر غالبية الدول، لاتخاذ تدابير عاجلة وربما قاسية لاحتواء المخاطر المرتبطة بالجائحة تحت وطئة ظروف يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين، وهذه الإجراءات بحد ذاتها كانت تشكل تحد كبير لاستدامة القطاعات والأنشطة الاقتصادية وعلى استدامة العاملين فيها واستقرارهم المعيشي.
المؤسسة تعاملت مع الجائحة ومنذ بدايتهـا، على أنها ظروف يتوجب أن يتجلى فيها دور الضمان الاجتماعي بمفهومه العميق، من حماية الفئات المنضوية حالياً وسابقاً تحت مظلته إلى ضمان استدامة الأنشطة والمنشآت المشمولة بأحكام قانونها.
الخيار التقليدي، والمحاسبي بالأحرى، كان التنحي جانباً والالتزام بتأدية الدور المناط بالمؤسسة بموجب أحكام قانونها، والإصرار على تحقيق فائضها التأميني الآني، أي الالتزام بنفقاتها التأمينية المقررة وإلزام منشآت القطاع الخاص بالالتزام بتأدية الاشتراكات المترتبة عليها، والنتيجة المحاسبية، تحقيق الفائض التأميني المستهدف في العام الماضي والعام الحالي إذا تم الالتزام بالدفـع مقابل شكوك هي أقرب إلى اليقين حول الاستقرار الاجتماعي والمعيشي لشريحة واسعة من المواطنين والمقيمين على أرض المملكة، وحول قدرة المنشآت البقاء على قيد الحياة في السنوات القادمة.
إذا المقاربة الحاضرة في هذا السياق، فوائض مالية ومحاسبية آنية مقابل اختلال حتمي في منظومة الحماية الاجتماعية وقطاع خاص عرضة للهشاشة في السنوات اللاحقة، وهو بالمناسبة مكون أساسي للقاعدة التحصيلية للمؤسسة.
أما النهج الآخر وهو الذي اتبعته المؤسسة، فتمثل بحزمة من الإجراءات والتدخلات التي هدفت إلى تأمين العاملين في الأنشطة والقطاعات الأكثر تضرراً بدخول مؤقتة تمكنهم من تلبية متطلباتهم المعيشية وتعويضهم بجانب من الانخفاض في أجورهم جراء الجائحة. القطاع الخاص لطالما كان ملتزماً في غالبيته في تأدية الالتزامات المترتبة عليه تجاه العاملين لديه في الظروف الاعتيادية، لكن توقعات المؤسسة كانت استباقية فيما يتعلق باعتبارات السيولة والإنتاج والمبيعات المرتبطة التي تحول بشكل وبآخر دون تمكنه من الوفاء بالتزاماته تجاه العاملين، وهكذا كانت إجراءات المؤسسة …. استباقية واستثنائية.

كيف كانت تدخلات المؤسسة؟
في بدايات الجائحة، كانت إجراءات المؤسسة استباقية، بمعنى أنها جاءت لتتعامل مع ظروف متوقعة مرتبطة بالجائحة والتدابير المتخذة للتعامل معها. الهاجس الرئيس الذي دفع المؤسسة للانطلاق بالحزمة الأولى من الإجراءات، هو الإغلاقات شبه الشاملة لغالبية الأنشطة الإنتاجية والخدمية، وما سيترتب على ذلك من تحديات مرتبطة بالسيولة المالية لدى منشآت القطاع الخاص، التي تعد الرافد الرئيس لاقتصادنا الوطني بكل مناحيه، والمشغل لعمالتنا الوطنية. من هنا جاء أمر الدفاع الأول، الذي سمح لمنشآت القطاع الخاص بتأجيل دفع المستحقات المترتبة للضمان الاجتماعي عن الأشهر الممتدة من آذار إلى آيار 2020 حتى منتصف العام 2023 دون ترتيب آية فوائد عليها. وكذلك إتاحة المجال أمامها لتعليق العمل بتأمين الشيخوخة عن العاملين لديها عن الأشهر ذاتها، وهو ما يعني انخفاض نسبة الاشتراكات الكلية من (21.75%) إلى (5.25%).
كما تضمنت الحزمة الأولى من الإجراءات، تقديم إعانات عينية وماديـة عاجلة للفئات المتضررة من الإجراءات المرتبطة بالجائحة، وقد تمكنت المؤسسة من الوصول بهذه الإعانات إلى (117) ألف أسرة بالتنسيق والتكامل مع وزارة التنمية الاجتماعية والهيئة الخيرية الهاشمية وتكية أم علي والهلال الأحمر الأردني وبدعم لوجستي من القوات المسلحة الأردنية.
الحزم اللاحقة من البرامج، أصبحت تتعامل مع تداعيات وتحديات حاضرة، تمثلت بعدم قدرة عدد من منشآت القطاع الخاص من دفع الأجور المستحقة للعاملين لديها، ومن هنا جاء برنامج تضامن الذي أتاح لها تمويل جانب من أجور العاملين لديها من حساباتهم الفردية في تأمين التعطل، مشروطة بموافقة العامل نفسه.
وانطلقت أيضاً برامج مساند بتفريعاتها الثلاث، الأول شهد توسعاً في فترات الاستفادة من تأمين التعطل بشروط ميسرة ومن حسابات المؤمن عليهم الفردية في التأمين، والثاني أتاح للمشتركين سحب جانب من أرصدتهم في تأمين التعطل، أما الثالث فقد أتاح للمشتركين المتوقفين عن العمل والمشتركين اختيارياً الحصول على سلفة على حساب تعويض الدفعة الواحدة تُسترد منهم متى تسوى حقوقهم التأمينية سواء بالتقاعد أو بالعجز أو الوفاة أو بالحصول على تعويض الدفعة الواحدة.
برنامج تمكين اقتصادي (2) جاء أيضاً للتعامل مع انخفاض الأجور الكلية للعاملين في القطاع الخاص نتيجة لظروف الجائحة، وأيضاً للعاملين في القطاع العام الذين جمدت علاواتهم الإضافية نتيجة لتأثر الموازنة العامة بظروف الجائحة. حيث أتيح المجال أمامهم للحصول على سلف على حساب تعويض الدفعة الواحدة تسترد لاحقاً من حقوقهم التأمينية.
كما أتاح برنامج تمكين اقتصادي (1) للمنشآت الأكثر تضرراً والمتضررة شمول العاملين لديها بشكل جزئي بتأمين الشيخوخة، وهو ما يعني انخفاض نسبة الاشتراكات الكلية إلى (13.5%) بدلاً من (21.75%). الدافع الرئيس لإطلاق هذا البرنامج تمثل بتوفير سيولة إضافية لهذه المنشآت وتمكينها من الاستدامة والمحافظة على الأيدي العاملة الأردنية.
برنامج استدامة والذي تم إطلاقه بالشراكة مع الحكومة، جاء ليدعم استدامة العمالة الأردنية في الأنشطة المتضررة بالجائحة، بالمساهمة بجانب من أجورهم الشهرية، ومن ثم استهدف أيضاً العودة بأجور العاملين إلى مستوياتها قبل الجائحة، وقد تمكن البرنامج بالفعل من تحقيق الأهداف التي انطلق من أجلها.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية للبرامج التي أطلقتها المؤسسة
على المستوى الكلي، فقد تمكنت المؤسسة من خلال برامجها المختلفة وبحجم السيولة الإضافية التي أتاحتها في اقتصادنا الوطني، سواء بالإنفاق على البرامج المتنوعة أو بالمبالغ التي أتيحت لمنشآت القطاع الخاص والعاملين فيها جراء تخفيض نسب الاشتراكات، باحتواء نحو نقطة مئوية من الانكماش الذي كان متوقعاً في اقتصادنا في العام 2020، وتمكنت أيضاً من دعم نموه في العام 2021.
أما على صعيد التشغيل، فتُثبت بياناتنا أن العمالة الأردنية في المنشآت المستفيدة من برامج تخفيض الاشتراكات قد استقرت على ما كانت عليه في العام الذي سبق الجائحة، حيث بلغ عددهم نحو (245) ألف عامل. كما تجاوز عدد المستفيدين من برنامج استدامة الــ 100 ألف شخص يعملون بما يزيد عن (7) آلاف منشأة.
وعلى نحو لا يقل أهمية، فقد حافظت المؤسسة على استدامة عمل أكثر من (30) ألف منشأة في القطاع الخاص، القطاع الذي يعد شرياناً للمؤسسة واستدامتها.

الآثار الاجتماعية للبرامج
اليوم ونحن نقترب من عامين على بدء الجائحـة، تمكنت برامج الحماية الاجتماعيـة من الـوصـول إلى أكثر من مليون و(200) ألف مستفيد بين مشترك حـالي وسابق في الضمان الاجتمـاعي.

تحليل البيانـات الإداريـة يظهـر بأن هـذه الشـريحـة الواسعـة من المستفيديـن يتبعـون لنحـو (604) ألف أسـرة أردنيـة يصـل أعداد أفـرادهـا إلى نحـو (2.9) مليون مواطن أردني، وترتيباً على ذلك فقد تمكنت البرامج التي أطلقتها المؤسسـة من الـوصـول إلى نحـو (39%) من الأردنيين.

هل أثرت البرامج على المركز المالي للمؤسسة؟
في الواقع، غالبية البرامج التي أطلقتها المؤسسة كانت ممولة ذاتياً. فبرامج التضامن ومساند (1) ومساند (2)، تم تمويلها من الحسابات الادخارية للمستفيدين منها في تأمين التعطل عن العمل ومن الحسابات الفردية للمستفيدين، وكلفة هذه البرامج وصلت إلى نحو (226) مليون دينار.
وبرامج مساند (3) وتمكين اقتصادي (2) ما هي إلا سلف ضماناتها متحققة ويتم خصمها من الحقوق التأمينية للمستفيدين في المستقبل، والكلفة المالية الوحيدة الحاضرة في هذا المجال، هي كلفة الفرصة البديلة لاستثمار هذه المبالغ، وهذه لن تعادل في جميع الأحوال والظروف الكلفة الاجتماعية على عدم تنفيذ البرامج ولا إلى المردود الاقتصادي لحجم المبالغ المصروفة التي ستنعكس بشكل أو بآخر على الجانبين التأميني والاستثماري للمؤسسة. علماً بأن إجمالي حجم السلف الممنوحة على حساب تعويض الدفعة الواحدة بلغ نحو (224) مليون دينار.
والأمر ذاته ينطبق على برامج تعليق العمل بتأمين الشيخوخة وبرنامج تمكين اقتصادي (1) “الشمول الجزئي في تأمين الشيخوخة”، وما ترتب عليها انخفاض في حجم الاشتراكات والتي تقدر لغاية اليوم بنحو (230) مليون دينار، التي سيقابلها انخفاض في حجم الالتزامات المالية المستقبلية على المؤسسة.
البرنامج الوحيد غير الممول ذاتياً، بالمعايير المحاسبية، هو برنامج استدامة، الذي يمول بواقع الثلثين من قبل الحكومة والجهات الداعمة، والثلث الأخير من الضمان الاجتماعي، وتحديداً من فائض تأمين إصابات العمل الممول بالكامل من قبل أصحاب العمل، علماً بأن المبالغ المصروفة على هذا البرنامج من قبل المؤسسة وصلت حتى تاريخه إلى (69) مليون دينار. الأهم في هذا البرنامج أنه تمكن بالفعل من المحافظة على استقرار العمالة الأردنية في المنشآت المستفيدة منه.

أما المساعدات العينية، فهي البرنامج الآخر غير الممول ذاتياً، وجاء لخدمة فئات تأثرت بشكل كبير بالإغلاقات والإجراءات المرتبطة بالجائحة، حيث بلغت كلفته (4.5) مليون دينار، تم تمويلها من فائض تأمين الأمومة، الذي يمول أيضاً بالكامل من قبل أصحاب العمل.
برامج الضمان الاجتماعي…. هل هي حالة خاصة بالأردن؟
إذا ما استعرضنا سياسات تعامل مختلف الدول مع جائحة كورونا في شريحة واسعة من بلدان العالم، المتقدمة منها والنامية، فإنه يلاحظ وبشكل جلي اضطلاع أنظمة التأمينات والضمان الاجتماعي بدور رئيس في احتواء تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
ما يميز سياسات وبرامج الضمان الاجتماعي في المملكة، أنها جاءت مبتكرة ومتنوعة في أدواتها ومتوازنة في توقيتها وفي الوقت نفسه لن تؤثر على الاستدامة المالية للمؤسسة.
التساؤلات والهواجس المتباينة التي تثار حول برامج الضمان الاجتماعي في التعامل مع تبعات جائحة كورونا، جميعها مشروعة، كيف ولا والمؤسسة وتأميناتها تُعنى اليوم بغالبية المجتمع الأردني وأيضاً بالمقيمين على أرض المملكة. هواجس مشروعة، كونها تتعلق ببرامج مبتكرة وغير تقليدية، يصعب تفهمها بدون الخروج من الأطر التقليدية والمالية البحتة، التي ستبقينا دوماً في المربع الأول، وربما بالذي يسبقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى