بقلم: محمد سقاالله
ليست كل المعارك تُقاس بنتائجها العسكرية، فبعضها يُقاس بما تزرعه في الوجدان، وما تُعيد تشكيله في وعي الشعوب. هكذا كانت معركة الكرامة؛ لم تكن مجرد مواجهة على أرض الغور، بل كانت لحظة فاصلة أعادت للأمة ثقتها بنفسها، وكتبت بدماء الأردنيين معنى الكرامة الحقيقي.
في صباح ذلك اليوم، لم يكن الأردن يخوض معركة حدود، بل كان يخوض معركة وجود ومعنى. كان الرهان أكبر من الأرض… كان على الإرادة، على الكبرياء، على قدرة الإنسان العربي أن يقول “لا” حين يظن العالم أنه فقد صوته. وهناك، وقف الجندي الأردني، لا مدفوعاً فقط بالأوامر، بل بإيمانٍ عميق أن هذه الأرض ليست خياراً… بل قدر.
بقيادة الملك الحسين بن طلال، الذي لم يكن قائداً من بعيد، بل كان روحاً حاضرة في الميدان، تحوّلت الكرامة إلى ملحمة وطنية خالدة. لم يكن النصر مجرد صدّ هجوم، بل كان تحطيم صورة الهزيمة التي حاولت أن تترسخ في وجدان الأمة بعد نكسة قاسية. فجاءت الكرامة لتقول: إن هذه الأمة قد تنكسر لحظة، لكنها لا تسقط.
لقد كانت الكرامة درساً قاسياً لكل من ظن أن الأردن لقمة سائغة، ورسالة صلبة بأن هذا الوطن الصغير بحجمه، عظيمٌ برجاله، لا يُقاس بمساحته، بل بمقدار العزة التي يحملها في صدره. وهنا تحديداً، وُلد المعنى الحقيقي للجيش العربي، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كرمزٍ للشرف والانتماء والتضحية.
ولعل أعظم ما في الكرامة، أنها لم تبقَ حدثاً في الماضي، بل تحولت إلى حالة مستمرة. هي في وجدان الأردني الذي يرفض الذل، في عزيمة الشاب الذي يبني مستقبله رغم التحديات، في كل جندي يقف اليوم على الثغور مؤمناً أن ما بدأه الآباء لا يمكن أن ينتهي.
إن استذكار الكرامة ليس ترفاً وطنياً، بل ضرورة أخلاقية. لأن الشعوب التي تنسى لحظات مجدها، تفقد تدريجياً قدرتها على صناعة المستقبل. والكرامة ليست ذكرى نُحييها، بل مبدأ نعيشه: أن يكون الوطن أولاً، وأن تبقى رايته مرفوعة، مهما اشتدت الرياح.
سيبقى الأردن، كما كان في الكرامة، عصيّاً على الانكسار…
وسيبقى أبناؤه، كما كانوا دائماً، الحصن الذي لا يُخترق، والصوت الذي لا يُكسر.
كل عام والأردن، قيادةً وجيشاً وشعباً، أكثر عزّة… وأكثر كرامة.






