×
آخر الأخبار

المرشدة التربوية هند عمر تكتب: في زمن الحروب… من يحمي عقول أبنائنا؟

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: المرشدة التربوية هند عمر

ليست أصوات القصف أو مشاهد الدمار أخطر ما في الحروب، بل أثرها الصامت الذي يتسلل إلى داخل أبنائنا دون أن ننتبه. بينما تنشغل السياسة بحسابات القوة، وتغرق وسائل الإعلام في سباق الصور العاجلة، يجلس الطالب في غرفته أو في صفه، يتلقى هذا العالم المضطرب دفعة واحدة، بلا أدوات لفهمه أو احتماله.
المسافة الجغرافية لم تعد تحمي أحدًا. ما يحدث في أي بقعة من العالم يصل إلى ذاكرة الطالب خلال دقائق، عبر الأخبار أو وسائل التواصل أو نقاشات الكبار. يتابع، يصمت، يفسّر بطريقته، ثم يبدأ القلق بالنمو داخله بهدوء، يظهر في شرود، فقدان التركيز، تراجع الشغف، أو توتر غامض لا يجد له تفسيرًا.
ولا يمكن تجاهل أثر الأصوات نفسها. صفارات الإنذار، حتى لمن لم يعشها مباشرة، تصبح حاضرًا في ذاكرته كإنذار داخلي دائم، يثير التوتر ويجعل شعور عدم الأمان حاضرًا حتى في بيئات آمنة. بعض الطلبة قد لا يدركون مصدر قلقهم، لكنه يتحكم في تفاصيل حياتهم الصغيرة ويعيد تشكيل إدراكهم للعالم.
المشكلة ليست في معرفة الطالب لما يحدث، بل في تركه وحيدًا مع هذه المعرفة. بين خطاب إعلامي مشحون يضخم الخوف، وخطاب تربوي صامت يتجنب المواجهة، ينشأ جيل يتأرجح بين القلق والارتباك. نطالبه بالتركيز، بالإنجاز، بالتفوق، بينما داخله مشغول بأسئلة أكبر من عمره: هل العالم آمن؟ هل يمكن أن تمتد الحرب؟ ماذا يعني كل هذا بالنسبة لي؟
هنا يظهر دور المدرسة كمساحة للاتزان، ودور المرشد التربوي كخط دفاع أول ضد الضياع النفسي. المرشد لا يقدم تحليلات سياسية، بل يوفر حماية عقلية ونفسية، يفتح مساحة للتعبير عن المخاوف، ويحوّل القلق إلى وعي، ويعلم الطالب كيف يعيد ترتيب حياته اليومية ليشعر بالسيطرة على ما يمكنه التحكم فيه، بعيدًا عن الهلع الجماعي.
الجرأة الحقيقية ليست في نقل الأخبار، بل في كيفية التعامل معها داخل المدرسة. فالطالب لا يحتاج لتفاصيل مرهقة أو تحليلات متناقضة، بل إلى صوت متزن يعيد شعور الأمان، ويعلّمه أن العالم، رغم كل شيء، لا يزال يحتوي على مساحات يمكن العيش فيها بثبات.
قد لا نستطيع التأثير في مسار الحروب، لكننا نملك القدرة على التأثير في ما يتركه العالم في نفوس أبنائنا. المدرسة إما أن تكون امتدادًا للفوضى، أو ملاذًا يرمم ما تهدمه الأخبار. المعركة الحقيقية اليوم ليست خارجية، بل داخل العقول الصغيرة التي تبحث عن الأمان، ونجاحنا يقاس بعدد القلوب التي نحمي شعورها بالأمان.