×
آخر الأخبار

علقم يكتب: حين تُدرَّس الإنجليزية…هل نُدرّس هوية أم لغة؟

{title}
22 الإعلامي   -

المعلم. محمد أحمد علقم / مدرس اللغة الإنجليزية 

في زحام الحصص، وبين سبورةٍ تُكتَب عليها مفرداتٌ عابرة، وكتابٍ مدرسيٍّ يُقلّب صفحاته طلبةٌ على عجل، يغيب سؤالٌ جوهريٌّ لم يُطرَح بما يكفي: هل نحن، حين نُدرّس اللغة الإنجليزية في مدارسنا، نُدرّس لغةً فقط، أم نُعيد تشكيل وعيٍ وهوية؟
ليست اللغة الإنجليزية—كما يُظن أحيانًا—مجرد أداة تواصلٍ عالمي، ولا مادةً دراسيةً تُقاس بنتائج الامتحانات، بل هي بوابةٌ واسعةٌ لعبور الأفكار، وأنماط التفكير، ومنظومات القيم. وهنا تكمن الإشكالية العميقة التي لم تُناقش تربويًا بما يكفي: كيف نوازن بين إتقان لغةٍ عالميةٍ، والحفاظ على تماسك الهوية الثقافية للطالب؟
في الصفوف الدراسية، يتعلّم الطلبة كيف يعبّرون عن أنفسهم باللغة الإنجليزية، لكنهم—في كثيرٍ من الأحيان—لا يُدرَّبون على التعبير عن ذواتهم الحقيقية، بل عن نماذج جاهزة، وسياقات بعيدة عن بيئتهم. يكتب الطالب عن "رحلةٍ إلى لندن" لم يعشها، أو عن "طقسٍ ثلجي" لم يختبره، أو عن "ثقافةٍ استهلاكية" لا تشبه واقعه. وهنا يبدأ الانفصال الصامت بين اللغة والهوية.
المعلم—وهنا بيت القصيد—ليس ناقلًا للغة فحسب، بل صانعُ معنى، وحارسُ توازن. 
فالمعلم المبدع هو الذي يحوّل درس " Speaking" إلى مساحةٍ يعبّر فيها الطالب عن قضاياه المحلية، وعن مجتمعه، وعن أحلامه بلغةٍ عالمية، دون أن يفقد صوته الأصلي. هو الذي يجعل من "Essay Writing" فرصةً لكتابة قصة الحيّ، أو وصف المدرسة، أو مناقشة قضايا الوطن، بدلًا من استنساخ موضوعاتٍ مستوردة.
إن التحدي الحقيقي في تعليم الإنجليزية اليوم لا يكمن في "كيف نُدرّس القواعد"، بل في "كيف نُدرّس المعنى". فالقواعد تُحفَظ، لكن المعنى يُبنى. واللغة التي لا تحمل معنىً مرتبطًا بواقع الطالب، تتحول إلى عبءٍ معرفي، لا إلى أداة تمكين.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة فلسفة تدريس اللغة الإنجليزية في مدارسنا، لتقوم على ثلاث ركائز:

أولها: التجذير الثقافي، بحيث يُدرَّس المحتوى اللغوي من خلال سياقاتٍ محليةٍ قريبة من الطالب.

وثانيها: التفكير النقدي، بحيث لا يكتفي الطالب بفهم النص، بل يُحلّله ويُناقشه ويُقارنه.

وثالثها: التمكين التعبيري، بحيث يُمنَح الطالب مساحةً ليقول "أنا" بلغته الجديدة، دون أن يفقد "أنا" الأصلية.

ولعلّ من أبرز المفارقات أن بعض الطلبة يتقنون التحدث عن العالم، لكنهم يعجزون عن وصف أنفسهم. يتحدثون بطلاقةٍ عن "Global Issues"، لكنهم يتلعثمون حين يُطلب منهم التعبير عن قضيةٍ محلية. وهذه الفجوة ليست لغوية، بل تربوية في جوهرها.

إن المدرسة، بوصفها الحاضنة الأولى للتشكيل المعرفي، مطالبة اليوم بأن تعيد النظر في دور اللغة الإنجليزية: هل هي مادةٌ للنجاح في الامتحان، أم أداةٌ لصناعة إنسانٍ قادرٍ على التفاعل مع العالم دون أن يذوب فيه؟

وفي هذا السياق، يصبح معلم اللغة الإنجليزية شريكًا في بناء الهوية، لا مجرد وسيطٍ لغوي. هو الذي يقرّر—بأسلوبه، واختياراته، وأنشطته—ما إذا كانت اللغة جسرًا نحو العالم، أم فجوةً بين الطالب وذاته.
ختامًا، ليست القضية أن نُعلّم أبناءنا الإنجليزية، بل كيف نُعلّمهم بها… أن يتحدثوا إلى العالم، دون أن يفقدوا صوتهم، وأن ينفتحوا على الآخر، دون أن ينغلقوا على أنفسهم، وأن يحملوا لغتهم الجديدة بثقة، وهويتهم بثبات.

فاللغة، حين تُدرّس بوعي، لا تُغيّر اللسان فقط… بل تُشكّل الإنسان.