×
آخر الأخبار

عماد داود يكتب : سماؤنا لا نعيرها! ... في السيادة والوصاية ومعنى أن تكون دولة

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : عماد داود

هناك لحظات في حياة الأمم لا تُقاس بما يُقال فيها، بل بما لا يُقال. لحظات يُعاد فيها ترتيب المشهد من تحت الطاولة، ثم يُطلب منك أن تصفق في الوقت المحدد، وإلا دخلت في خانة "المنزعجين نفسيًا"، أو "المتخاذلين"، أو "عملاء الخارج". لحظات تُختزل فيها قضايا الأمة في راية واحدة، وتُحصر فيها خيارات الشعوب في معادلة واحدة: إما أن تكون معنا، أو أن تكون ضد القضية. وفي هذه اللحظات تحديدًا، يُعاد اختراع السياسة: لم تعد فن الممكن، بل صارت امتحان ولاء.
هذا هو الخطاب الذي واجهته الأمم العربية لعقود. خطاب يبدأ بسؤال بريء ظاهريًا: "لماذا ينزعج البعض حين يُقصف الكيان الصهيوني؟" لكنه في جوهره ليس سؤالاً، بل حكم. حكم بأن من لا يصفّق في الموعد المحدد لا بد أن يكون مصابًا بتنافر نفسي، أو اصطفاف مسبق، أو إعلام مشوّه، أو خوف، أو مصلحة ذاتية، أو أزمة أولويات. ست خانات جاهزة. ستة تفسيرات تسبق أي نقاش. ستة أقفاص توضع قبل المحاكمة.
لكن هناك صوتًا سابعًا لم يُدعَ إلى هذا الخطاب، لأنه لو دُعي لانهار كل ما بُني فوقه. صوت من لا يريد أن تكون بلاده مجرد محطة عبور في طريق مشاريع لا يملك قرارها. صوت من يعرف أن السؤال الأول في السياسة ليس "مع من تقف؟" بل "من يقرر؟". هذا الصوت هو الذي يحوّل "الانزعاج" إلى وعي، والصمت إلى موقف، وحماية السماء إلى سيادة.
نحن في العالم العربي نفرح حين تُضرب إسرائيل. هذا موقف لا يحتاج إلى تأويل، ولا إلى شهادة وطنية من أحد. لكن الفرح بالحدث لا يعني التسليم بمن يتحكم بالحدث. هناك فرق بين من يفرح بالنصر وبين من يسلم مفتاح بيته لمن ينتصر. السماء التي تمر فوق بلادنا ليست شعارًا يُرفع في المهرجانات. هي النهر الذي لا يعبر مرتين. هي الشجرة التي إن قطعت جذورها، لن تحمل ثمرًا لأحد. هي الطريق الطويل الذي لا يمكن اختصاره بلحظة انتصار.
حين تدافع دولة عربية عن سمائها، لا تدافع عن إسرائيل. تدافع عن مبدأ أن للدولة حقًا حصريًا في تقرير ما يدخل أجواءها. هذا المبدأ هو الفاصل بين من يملك قراره ومن يُدار بقرار غيره. فإما أن تقبل أن للدولة العربية سيادة تصونها، أو أن تقول صراحة إن السيادة امتياز تُمنح لمن يستحق. وهذا الأخير هو بالضبط ما تقوله إسرائيل حين تخترق حدود جيرانها. الفارق بين من يعبر بلا إذن ومن يمنع العبور ليس فارقًا في المبدأ، بل فارق في الشعارات. والشظايا التي تسقط على الأرض لا تقرأ الشعارات.
هنا يظهر الخطاب الذي يُعاد إنتاجه في كل أزمة: خطاب من يريد أن تُختزل القضية الفلسطينية في راية واحدة، وأن يُختصر الانحياز لها في تبعية واحدة. وكأن انزعاجنا من قصف الكيان الصهيوني لا يمكن أن يكون خالصًا إلا إذا كان تحت راية طهران. وكأن لا مقاومة إلا بمقاييسهم، ولا تحرير إلا بوصايتهم. وهنا تتداخل الأصوات التي يصنع منها هذا الخطاب: صوت السلطة حين تتحدث عن تحرير القدس، وصوت ميليشياتها حين تحول الدول العربية إلى أنقاض، وصوت من يبرر بأن هذه هي "مقاومة"، وصوت من يعترض في صمت على استباحة وطنه، وصوت الشارع العربي الذي يشعر قبل أن يفسر: أنه يُستعمل.
هذا هو المشروع الذي يُباع لنا تحت عنوان المقاومة. مشروع حوّل سوريا إلى مسرح لميليشياته قبل أن يحولها إلى أنقاض، وأطال عمر نظام أباد شعبه بالكيماوي والبراميل. مشروع جعل من العراق دولة داخل دولة، ومن لبنان معادلة لم يخترها اللبنانيون يومًا: قرار حرب وسلم لا يملكه البرلمان ولا الشعب، والفواتير تدفع بالدم والجوع. مشروع حوّل اليمن إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم، وساعد في قمع الحراك الشعبي في البحرين. مشروع يطلق الصواريخ خارجًا والرصاص داخلًا بالأداة ذاتها، ويسمي الاسمين مختلفين.
لكن السقطات الإيرانية لا تقف عند حدود العالم العربي. ففي أفغانستان، كان الحضور الإيراني نموذجًا آخر من التناقض بين الشعار والممارسة. دعمت طهران فصائل مختلفة في الحرب الأفغانية، تارة باسم المقاومة ضد الوجود الأميركي، وتارة باسم حماية الشيعة، وتارة باسم المصالح الاستراتيجية. لكن الحصيلة كانت واحدة: أفغانستان غارقة في دمائها، والشعب الأفغاني يدفع الثمن. وفي لحظات المفصل، أثبتت إيران أنها شريك موثوق لأميركا حين تتفق المصالح. ففي أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، كانت طهران من أوائل الدول التي قدمت تعاونًا استخباراتيًا ولوجستيًا للولايات المتحدة في حربها على أفغانستان، وسمحت باستخدام أراضيها لنقل الإمدادات، وساعدت في ترتيب ميزان القوى بما يخدم مصلحتها أولاً وأخيرًا. "الشيطان الأكبر" كان شريكًا حين اقتضت الحاجة.
وفي باكستان، امتدت الأذرع الإيرانية لتغذية التوترات الطائفية، وتحويل بلد يعاني أصلاً من هشاشة أمنية إلى ساحة صراع بالوكالة مع الجار الآخر. وفي القوقاز، لعبت إيران أوراقًا معقدة بين أرمينيا وأذربيجان، لا لخدمة الاستقرار، بل لتعظيم نفوذها على حساب سيادة الدول. وفي آسيا الوسطى، عملت على تصدير نموذجها الخاص في الحكم، الذي يقوم على قمع المعارضة وإحكام السيطرة الأمنية، دون أن تقدم أي نموذج تنموي يُحتذى به. وفي كل هذه البقاع، كان الخيط الناظم واحدًا: مشروع لا يبني دولًا، بل يستخدمها. لا يصنع مستقبلًا، بل يكرس التبعية. لا يحرر شعوبًا، بل يستعمرها بثياب المقاومة.

وهذا يقودنا إلى سؤال لا مفر منه: هل هذا هو النموذج الذي يريد البعض أن يكون وصيًا على سمائنا؟ هل هذا هو "البديل" الذي يُقدم لمن لا يريدون وصاية أميركية؟ وكأن الخيار محصور بين وصايتين، وكأن من يرفض الوصاية لا بد أن يكون تحت واحدة منها. لكن هذا هو وهم العقل التابع: أنه لا يستطيع تصور وجود خارج معادلة الاستبدال.
ليست كل دولة عربية تحت وصاية أميركا. هناك دول عربية ذات سيادة تقيم تحالفات على أساس مصالحها الوطنية. الفرق بين التحالف والوصاية ليس فرقًا في الدرجة بل في النوع. التحالف يُبرم بين دولتين سياديتين، وتنتهي حدوده حيث تبدأ حدود القرار الوطني المستقل. الوصاية تُفرض على دولة مستباحة الإرادة، لا تملك الخروج منها إلا بثمن باهظ. التحالف يُصنع ليخدم المصلحة الوطنية، والوصاية تُفرض لخدمة مصلحة الوصي.
ما يُطلب من الدول العربية اليوم، تحت شعار المقاومة، ليس تحررًا من وصاية لا تعانيها كثير من الدول، بل الدخول في وصاية جديدة. أن نستبدل تحالفًا سياديًا بتبعية تُسمى "مقاومة". أن نبيع جذور الشجرة التي نحن فيها مقابل ظل شجرة لا نعرف إن كانت ستظللنا أم تسقط علينا.
وهنا نصل إلى السؤال الذي لا يريد أصحاب هذا الخطاب أن يطرحوه، لأنه لو طرح لانكشفت المفارقة: ما الذي يجعل من هذا النموذج مؤهلاً لأن يكون وصيًا على سيادتنا؟ هل هو سجل قمع شعبه بالرصاص الحي في 2009 و2019 و2022 و2026؟ هل هو شعب يهتف "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران"؟ هل هو تعاونها مع إسرائيل في فضيحة إيران-كونترا لضرب دولة عربية؟ هل هو تفاوضها مع "الشيطان الأكبر" خلف الطاولة في أفغانستان والعراق بعد أن رفعته شعارًا فوقها؟ هل هو ما فعلته في سوريا والعراق ولبنان واليمن من تخريب واستباحة؟ أم هل هو سجلها في القوقاز وآسيا الوسطى وباكستان حيث حوّلت الصراعات المحلية إلى ساحات نفوذ لا علاقة لها بمصالح الشعوب؟
هذه الأسئلة ليست خدمة لأحد. هي واجب أي دولة لا تريد أن تستبدل سيدًا بسيد. "الشيطان الأكبر" بالنسبة لهذا النموذج ليس عدوًا وجوديًا، بل شريك حين تتفق المصالح، وعدو حين تختلف. وهذا هو المنطق نفسه الذي يُنتقد في الآخرين. فإما أن يكون المبدأ مبدأ، أو تكون المصالح هي ما تتحكم. لا يمكن أن يكون لطهران وحدها الحق في أن تكون براغماتية، بينما يُطلب منا نحن أن نكون مثاليين حتى الاستشهاد.
هناك دول عربية، يغمز جانبه أصحاب هذا الخطاب بعبارات مصقولة عن "الاستقرار الهش" و"المصالح المرتبطة". هذه الدول لا تحتاج إلى دفاع. تحتاج إلى فهم أن الجغرافيا السياسية ليست خيارًا. دول صغيرة في أكثر مناطق العالم تعقيدًا، سر بقائها ليس في الشعارات، بل في قدرتها على إدارة التوازنات. ليس ضعفًا أن تعرف حدود قدراتك. بل هو عين الحكمة. وليس عيبًا أن تعرف أن القرارات غير المحسوبة في منطقة كهذه لا يتحمل تبعاتها من اتخذها بعيدًا، بل من تقع عواقبه على أرضه.
جيوشنا العربية لا تحتاج إلى شهادة وطنية من أحد. هي جيوش لها عقيدتها وتاريخها وعدوها الواضح. حين تحمي سماء أوطانها، لا تدافع عن إسرائيل. تدافع عن الأرض التي تقف عليها، وعن السماء التي تظللها، وعن مبدأ أن للدولة سيادة تصونها. ومن يقرأ في فعل الجيش العربي دفاعًا عن إسرائيل، فهو إما لا يفهم معنى الجيش الوطني، أو أنه يريد للدولة العربية أن تكون بلا جيش، أو أنه يريد للجيش العربي أن يكون أداة بيد غير العرب.
المقاومة الحقيقية لا تُبنى على استباحة سيادة الآخرين. القضية الفلسطينية قضية عادلة، لكنها لا تُخدم بأن تصبح الدول العربية ساحات مفتوحة لصراعات لا تملك قرارها. الدولة التي تفقد سيادتها لا تستطيع أن تساعد أحدًا، لأنها تكون قد فقدت القدرة على مساعدة نفسها أولاً.
نحن في العالم العربي نرفض أن تكون سماؤنا ممرًا لحروب الآخرين. نرفض أن تُختزل مقاومتنا لإسرائيل في أن نكون ساحة لغيرنا. نرفض أن يُشترط علينا التخلي عن سيادتنا كدليل على انحيازنا. فلسطين قضيتنا قبل أن تكون قضية أي أحد، وستبقى كذلك. لكن القضية لا تُخدم بأن نتحول نحن أنفسنا إلى قضية.
هناك من يريد منا أن نختار بين وصاية أميركية لا نعانيها جميعًا ووصاية إيرانية لا نريدها. نحن نختار ما اخترناه دائمًا: دولًا عربية قوية بسيادتها، واضحة في انحيازها لفلسطين، مدركة لحدودها، غير قابلة لأن تكون ساحة لأحد. نفرح حين تُضرب إسرائيل، بعيدًا عن سمائنا. وسماؤنا لا نعيرها.
وهذا ليس انزعاجًا نفسيًا. هذا ليس تخاذلاً. هذا ليس ضعفًا. هذا ليس انبطاحًا.
هذا موقف.
موقف أمة عرفت أن السيادة ليست تهمة، وأن حماية السماء ليست خيانة، وأن المقاومة الحقيقية تبدأ من قدرتك على أن تكون صاحب القرار في أرضك وسمائك.
والمعنى، في النهاية، لا يصنعه من يملك الصوت الأعلى، بل من يملك الجملة التي لا تُنسى.
سماؤنا لا نعيرها.
جملة واحدة. تحمل نهرًا من معنى. وشجرة من سياق. وطريقًا طويلًا لمن يقرأ بعد مئة عام ويبحث عن النص الذي فهم زمنه قبل أن يمر.